كوميديا التواصل في زمن الغضب ! من بايتاس إلى وهبي: مهرجان التواصل الفاشل”

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

بعد صمتٍ قاتل استمرّ كأن الحكومة تتدرّب على الصمت الفنيّ، اندلع الشارع وحده — بلا بلاغ رسميّ، بلا اعتذار مُبكّر، وبلا هاتف الوزير الذي يردّ على الناس كي يطمئنهم أن كلّ شيء على ما يرام. المذيعة سناء رحيمي من “دوزيم” قالت بصراحة ما ظنّه الجميع: اتّصلت وزراء، فأغلقوا هواتفهم في وجهها؛ لا إجابات، لا شروحات، فقط خلوٌّ من الكلام وكأن المشكلة ستختفي إذا تجاهلناها طويلاً.
وبعد أن شعرت السلطة بأنّ الحائط الفاصل بين الإعلام والسلطة تهاوى، وأنّ “معركة التواصل” خسرتها تمامًا، قررت السياسة أن تُجري “عمليّة إنعاش” لمهارات وزرائها التليفزية: أُقْحِموا على الشاشات لكي “يمتصّوا غضب الشارع”. النتيجة؟ أنابيبٌ ممتلئة بالهواء الساخن. لم يمتصّوا سوى أعصابهم، وتركوا الناس أكثر سخطًا وقناعةً بأنّ الكلام البروتوكولي لا يُطعم خبزًا ولا يداوي همًّا.
مصطفى بايتاس، المتحدث الرسمي باسم الحكومة، ظهر في “بلاطو” كما لو أنه جاء ليُقدّم درسًا في الحسابات العمومية بدل أن يجيب عن أسئلة الناس. جلب ميزانيات ضخمة للتعليم والصحة — أرقامٌ تتهادى ببذخ ــ لكنّها لم تكن سوى تمرينٍ حسابي بارد. المواطن الذي يرى طفله يعود من المدرسة بلا كتب، ويرى المستشفى الذي يجد فيه الانتظار أطول من العلاجات، لا يُطعَم بالأرقام مهما بلغت عظمَتها. ولأنّ الصيغة لم تُقنع، فقد اختار السيد المتحدث أن يغيّب اللباقة، فتعامل مع صحفيّ مُقتدر بفظاظة متهمة، واتهمه — بطريقةٍ تفتقد إلى الحِجّة — بأنّه “يتكلم باسم جيل Z”. يا للعجب: عندما تُنهي الحسابات المهمة، تبقى الاتّهامات المجانية !
أما عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، فاختار أنّ يُحوّل قضايانا الاجتماعية إلى درسٍ دستوري: “التظاهر لا يسقط الحكومة، الدستور يفعل ذلك.” شهادةُ بطوليةٌ للتشريعات، لكنها عاريةٌ من حسٍّ سياسي. فالرسالة التي أرسلها السيد الوزير قائلةً إن الدستور وحده هو القادر على الإطاحة — بدل أن تكون الإجراءات السياسية والقرارات الجريئة — جاءت كمن يلقي ورقة قوانين على نار غضبٍ تتصاعد، معتقدًا أنّها ستطفئها. الشباب لا يجهل الدستور؛ بل يعرف كيف تُكتب القرارات وتأخذ مفعولها في الواقع. وبهذا أُعيد تشبيه الدستور إلى حالةٍ سلبية، مُتهمًا بالتواطؤ في غياب الحلول العملية.
الحكومة التي حلمت بأن تستعيد السيطرة على السرديات عبر بروتوكول الحوار، نسيت أمراً بسيطاً: أن السياسة فن الممكن. والفنُّ هنا ليس مجرد تبادلٍ رسميّ للخطابات، بل القدرة على شرح نفس الرسالة لأناسٍ مختلفين، وبأساليبٍ مختلفة، حتى يقتنع كلّ واحدٍ بما رُوي له. لكن ما شاهدناه هو العكس: تكرار للمقولة القديمة “فاقد الشيء لا يعطيه” — فقد افتقرت الحكومة إلى القدرة على الإقناع، وبدل أن تُعيد الأمل، ضيّعت الوقت.
كلّ المؤشرات تقول إنّ الناس لم يعودوا يريدون محادثاتٍ تصمّ آذانهم بالكلام الجميل ؛ يريدون إجراءات ملموسة: مدرسة ذات جودة، مستشفى لا يُعطَل فيه المريض لأيام، وسياسات تلامس الواقع. أي استراتيجياتٍ أخرى سوى ذلك هي مجرد تمثيلٍ عتيق يُؤخّر الحكم على المصيبة ولا يغيّر من وقعها شيئًا.
وللخاتمة، دعونا لا ننسى دروسَ التذاكُر الوارد في القصة الروسية/الإسرائيلية التي تبيّن ببساطة كيف يمكن لشيءٍ واحد أن يُقرأ بألوانٍ ثلاث – كبطلٍ تاريخي، كمجرمٍ، وككنزٍ ثمين – حيث تكتشف القيمة الحقيقية حسب المكان ومنظار السائل وبحسب من يسأل وبأي لغة تُقاس.
هكذا هي رسائل الحكومة اليوم: تماثيلٌ من بياناتٍ وإحصائياتٍ، قد تبدو عظيمة في بروتوكولات الغرف، لكنها في بيوت الناس — في المدارس والعيادات وفي قلوب الشباب — ربما هي مجرد ذهبٍ مخفيّ لا يعرفون مصدره ولا كيف يُنفق لصالحهم. إن لم تتعلم السلطة قراءة السؤال الصحيح — “ما هذا؟” بدلًا من “من هذا؟” أو العكس — فإنها ستترك الناس يصنعون تفسيرهم الخاص، وربما سيجدون في حكومتهم تمثالًا جميلًا لا فائدة منه .
هوامش: القصة الحقيقية التي يمكن أن تتعلم منها الحكومة السياسة كفن للممكن. نص القصة: في رحلة أحد الاشخاص الروس (وكان يهودياً) إلى إسرائيل وعند تفتيش حقائبه عند المغادرة من مطار موسكو وجد المفتش تمثال (لينين) في أغراضه.. سأله المفتش: ما هذا؟ فرد عليه الروسي: صيغة سؤالك خطأ! كان يجب عليك أن تسأل من هذا؟.. هذا لينين.. مؤسس الشيوعية.. وباني روسيا الحديثة. وأنا تخليدا ‏لذكراه.. أصطحبه معي للبركة. تأثر الموظف الروسي.. وقال له حسنًا، تفضل بالمرور. وعند وصوله إلى مطار تل أبيب رأى موظف التفتيش التمثال فسأله: ما هذا؟.. فأجاب: سؤالك خطأ يا سيدي! كان يجب عليك أن تسأل من هذا؟ هذا لينين.. المجرم المجنون الذي تركتُ بسببه روسيا! أصطحبه معي.. لألعنه كلما ‏رأيته!. تأثر الموظف “الإسرائيلي” وقال: حسناً.. تفضل بالمرور. وعند وصوله إلى بيته وضع التمثال في زاوية في الغرفة. فسأله أحد الأولاد.. من هذا؟.. فرد عليه: ياصغيري سؤالك من هذا خطأ! كان يجب عليك أن تسأل ما هذا؟.. هذا.. 10 كغ من الذهب عيار 24.. أدخلته من دون جمارك ولا ضرائب!!.. ‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *