رواية وفاء كروي مغربي. أو حين ينتقم الأخ الأصغر لأخيه الأكبر !

حميد طولست كاتب وناقد ساخر 

في كرة القدم كما في الحياة، لا تُمحى الهزائم الكبيرة بسهولة. تبقى حفرة في الذاكرة، تتحول إلى جرح لا يندمل، وفي أحيان أخرى إلى وقود. من مونديال قطر 2022 إلى أرض الملاعب، يظل جرح الدوحة يشير إلى نقطة ارتكاز في ذاكرة شعبٍ عانى وفرح مع منتخب واحد: أسود الأطلس.
كان ذلك العام قريبًا من المعجزة: مغربٌ صمد أمام العمالقة، أطاح ببلجيكا وإسبانيا والبرتغال، ودخل قلوب الملايين قبل أن تخرج صافرة «مشرومة» حلمًا يكاد يصبح واقعًا. لم تكن الخسارة مجرد نتيجة في عمود الإحصائيات، بل شعورٌ جماعي بأن التاريخ كان قاب قوسين أو أدنى، لكنه أفلت من الأيادي.
لكن لكرة القدم أحكامها الخاصة. تقول المقولة الشعبية: «لا يُقتل الحلم… بل ينتظر من يُحييه». وهنا يفاجئنا القدر بابتسامة مُبطّنة: من سيعيد الكرامة ويُطهر المرارة؟ ليس بطل الدفعة الأولى، بل شقيقه الأصغر — جيلٌ شاب جاء يحمل في عينيه صورة إخوةٍ أبكاهم ظلم التحكيم في الدوحة.
في مونديال تحت 20 سنة، التقى الأخ الأصغر بمنتخبٍ فرنسي مثّل بالنسبة للكثيرين جرحًا مفتوحًا من 2022. لم تكن المباراة مجرد مواجهة تكتيكية؛ كانت جلسة قِصاص رمزية، تمرينًا على الوفاء ورد الاعتبار. دخل الصغار الملعب وكأنهم لا يلعبون فقط من أجل ثلاث نقاط، بل من أجل ذاكرةٍ لم تُدرك حقيقتها بعد.
وللمفارقة الجميلة، انتصر أبناء المغرب بهدوءٍ يليق بكبار النفس: لا تهليلٌ مبالغ فيه، لا شماتة جارحة، بل دموع فرح وتصفيق اعتزاز بلا انتقام . نعم، أو بانتقام رياضي مهذب: برد غليل عشاق الكرة المغربية عبر فنٍّ كرويٍ راقٍ وتكتيكٍ ناضج. لم يكتبوا قائمة انتصارات فقط، بل فصلًا جديدًا في روايةٍ وطنية تذكّر بأن:” العدالة قد تتأخر، لكنها لا تختفي”.
أكثر ما يثلج الصدر هنا ليس النتيجة وحدها، بل إصرار الأخ الأصغر على التحول إلى ضامن للذكريات، قادر على شفاء جروحٍ طال بها الزمن. والاحتفالٌ ليس من باب النصر على الخصم فحسب، بل من باب الانتصار على مرارة الماضي.
وإذا كان للقدر ميلٌ نحو الإضاءة، فدعونا نُمنّي النفس: من تشيلي مرورًا بكأس إفريقيا على أرض المغرب، ولم لا إكمال المشوار في كأس العالم بالولايات المتحدة الأمريكية؟ كرة القدم تكتب صفحاتها من دموع وفخر وتوقعات — ونحن هنا لنقرأ ونحتفل ونأمل.
في النهاية، يبقى الوجه الحقيقي لهذا الانتصار: فريق شاب علّمنا أن الوفاء لا يسمع فقط في البلاغة، بل يُفعل بالأقدام. الأخ الأصغر انتقم لأخيه، لكن بأدبٍ واحترافية. وهذا — في زمن الكرة الذي يتقاطع فيه الفن والنفس — يكفي ليكون عنوانًا لنهضةٍ جديدة، أو على الأقل لضحكةٍ ساخرة من حكايةٍ تأخرت العدالة فيها قليلًا قبل أن تأتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *