بدر شاشا
من غير المقبول، في مغرب اليوم، أن تبقى شعبة الجغرافيا تعيش في الظل، مهمّشة ومنسيّة، وكأنها لم تكن يوما علما قائما بذاته، يدرّس في الجامعات، ويُخرّج أطرًا وكفاءات تفقه في خبايا الأرض، والإنسان، والبيئة، والمجال، والسياسات الترابية، وتدبير الموارد.
شعبة الجغرافيا، التي كانت يومًا منارة للبحث والفكر، أصبحت اليوم تُلقّب بين الطلبة بـ”الشعبة المقبرة”، لأنها تخرّج أفواجا من المجازين والماستر دون أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في سوق الشغل أو في الوظيفة العمومية.
تهميش ممنهج وغياب الاعتراف :
من الغريب أن نرى خريجي الجغرافيا محرومين من التوظيف في قطاعات تُعتبر الجغرافيا أساسها العلمي:
وزارة الفلاحة،
وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان،
وزارة الانتقال الطاقي،
وزارة البيئة،
وزارة التجهيز والماء،
وحتى الجماعات الترابية والوكالات الحضرية.
كل هذه المؤسسات تحتاج إلى كفاءات متمكنة من التحليل المجالي، التخطيط الترابي، الخرائط، نظم المعلومات الجغرافية (SIG)، وتدبير المخاطر البيئية والمائية. ومع ذلك، لا نكاد نجد مباراة واحدة تُفتح في وجه هؤلاء الشباب الحاملين لشواهد عليا في الجغرافيا.
علم الجغرافيا… أكثر من مجرد خرائط :
كثيرون يظنون أن الجغرافيا هي مجرد رسم خرائط أو حفظ أسماء المدن والجبال والأنهار، لكن الواقع أعمق بكثير.
فالجغرافيا هي علم شامل يدرس العلاقة بين الإنسان والمجال، ويفكك ديناميات السكان، والموارد، والمناخ، والطاقة، والسياسات العمومية.
هي البوصلة التي يمكن أن تساعد الدولة في التخطيط الترابي السليم، وتوجيه الاستثمار، وحماية البيئة، وتدبير الكوارث الطبيعية، ووضع استراتيجيات التنمية الجهوية.
فكيف يعقل أن تُقصى هذه الكفاءات من ميادين العمل التي تحتاجها أكثر من أي وقت مضى؟
شباب ضائع بين الحلم والواقع :
في كل سنة، تتخرج المئات من الطلبة من مسالك الإجازة والماستر والدكتوراه في الجغرافيا. يحملون أحلامًا كبيرة، ورغبة في المساهمة في بناء مغرب متوازن مجاليًا واقتصاديًا.
لكن ما ينتظرهم بعد التخرج هو الصدمة: لا مباريات مفتوحة، ولا فرص شغل في المؤسسات العمومية، ولا حتى اعتراف حقيقي بقيمة تخصصهم.
كأن الدولة تقول لهم بصمتٍ مؤلم: “أنتم غير موجودين”.
أين هي العدالة المجالية في التوظيف؟
الحديث عن العدالة المجالية لا يجب أن يظل شعارًا يُرفع في الخطابات فقط.
العدالة المجالية تبدأ أولًا بالاعتراف بالاختصاصات العلمية التي تدرس المجال، أي بالجغرافيين.
فهؤلاء هم من يفهمون تباينات التنمية بين الجهات، ويدرسون الهشاشة البيئية، ويتحكمون في أدوات التخطيط الحضري والريفي.
فلماذا تُقصى هذه الكفاءات من مباريات وزارة إعداد التراب الوطني مثلًا؟
أليس من الطبيعي أن يكون الجغرافيون جزءًا من فرق التخطيط والاستشراف الترابي؟
نطالب بحقّنا المشروع :
اليوم، يرفع خريجو شعبة الجغرافيا في مختلف الجامعات المغربية صوتهم عاليا:
نريد حقنا في التوظيف.
نطالب بفتح مباريات خاصة بخريجي الجغرافيا في كل القطاعات ذات الصلة بالمجال، والبيئة، والماء، والطاقة، والتنمية الترابية.
نطالب الحكومة بأن تضع حدًا لهذا التهميش الممنهج، وأن تعيد الاعتبار لهذه الشعبة العلمية الرفيعة التي يمكن أن تساهم بفعالية في تنزيل النموذج التنموي الجديد.