حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في خطوةٍ وُصفت بأنها “دعمٌ مُبتكر للشباب في العمل السياسي”، أعلنت الحكومة عن تخصيص مبلغٍ يصل إلى 375 ألف درهم لكل مرشّح شاب غير حزبي، أي ما يعادل 75٪ من الدعم الموجّه للأحزاب. من حيث الشكل، يبدو الأمر مبادرةً مُحفّزة تعيد الروح لفكرة المشاركة، وتمنح الشباب فرصة دخول عالم السياسة دون الحاجة إلى عبور بوابة الأحزاب التقليدية.
إلى هنا، الصورة مشرقة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه – بكل لُطف – هو:هل نُشجّع المشاركة السياسية… أم نُشجّع “الترشّح الاستثماري”؟
فالمبادرة، رغم حسن نيتها، تفتح بابًا واسعًا لتأويلات أخرى:
هل نحن بصدد إحياء السياسة أم بصدد تحويل الترشح إلى برنامج من برامج الدعم الاجتماعي قابل للاستفادة منه “حسب المناسبات”؟
خصوصًا وأن الشروط “المبسّطة” التي ذُكرت في الإعلان تبدو أقرب إلى ملف إداري للحصول على خدمة سريعة، منها إلى مسارٍ مسؤول لدخول معترك تدبير الشأن العام.
لا اعتراض على دعم الشباب، بل هو أمر محمود ومطلوب، لكن التجارب أثبتت أن التمويل وحده لا يصنع رجل سياسة ولا امرأة قرار.
لو كان المال معيارًا، لكانت الديمقراطيات الأكثر إنفاقًا هي الأنجح… وهو ما لا تقوله تجارب العالم.
ولأن النقد وحده لا يكفي، لا بد من طرح البديل الأكثر اتزانًا:
بدل تمويل الأفراد قبل تكوينهم، كان الأجدر أن تُوجَّه الجهود إلى:
• صناعة مسار تدريجي للتأهيل السياسي،
• تعزيز حضور الشباب داخل الأحزاب وإصلاح آلياتها،
• دعم مراكز التفكير والتكوين السياسي،
• وتوفير بيئة تُغري الشباب بالأفكار قبل الإغراء بالأرقام.
بهذا فقط، يتحوّل الدعم المالي من غاية مغرية إلى وسيلة مُسعِدة لتأهيل طاقات حقيقية، تُضيف قيمة للمشهد السياسي لا مجرد أسماء جديدة على اللوائح الانتخابية.
قد تُسهم الخطوة في رفع نسبة الترشحات، وقد تُسعِد الأرقام وتقارير التقييم، لكنّ الخطر أن نُفرِغ المشاركة من معناها، وأن نُحوّل الانتخابات إلى موسم قصير العمر تتدفّق فيه الأموال أكثر مما تتدفّق فيه الأفكار.
إن تشجيع الشباب على المشاركة واجبٌ وطني، لكن تشجيع الوعي قبل التمويل يبقى أرقى وأعمق.
فالديمقراطية التي تتحرك بالميزانيات قبل المبادئ، تُخشى عليها من أن تصبح مُجرّد واجهة جميلة لواقعٍ سياسي يحتاج إلى مراجعة جذريّة.
في النهاية، لا نريد شبابًا “يمرّون” من السياسة كما يمرّون من فرصة تمويل سريع، بل نريد شبابًا يصنعون السياسة… ويمضون بها للأمام.