حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن الأقدار قررت أن تمنح الكرة المغربية لحظة “ابتسامة سماوية” بعد أيام من الحزن الكروي، لتُعلن عن تأهل المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة إلى الدور الثاني من كأس العالم، في سيناريو لا يصدقه حتى أعتى محللي الاحتمالات.
تأهلنا… نعم، رغم أننا بدأنا البطولة بهزيمة أمام اليابان بهدفين للا شيء، وواصلناها بخسارة مذلة بستة أهداف نظيفة أمام خصم آخر لم يترك لنا سوى غبار المرمى. لكن، وكما يقول المثل المغربي: “اللي ما ربح باللعب، يربح بالحساب”.
وفي الجولة الأخيرة، حين كانت كل المؤشرات تقول إن العودة إلى الدار باتت وشيكة، قرر أشبال الأطلس أن يستعرضوا عضلاتهم الإحصائية على منتخب كاليدونيا الجديدة، فانهالوا عليه بستة عشر هدفًا دون رد، ليوقّعوا بذلك على أكبر نتيجة في تاريخ كأس العالم للناشئين، محققين أرقامًا تصلح لكتاب “غينيس” لا لجدول الترتيب!
فجأة، صار المنتخب المغربي أقوى هجوم في البطولة (بـ16 هدفًا في مباراة واحدة)، وصاحب أعلى استحواذ في التاريخ (90٪، وهي نسبة تثير الشكوك في ما إذا كان الخصم فعلاً كان في الملعب أم يتابع المباراة من المدرجات).
بل وتحوّل إلى الفريق الذي حقق أكبر عدد من الفرص الضائعة (29)، وأعلى معدل للتسديدات والعرضيات والركنيات، حتى كاد بعض المعلقين يقترحون منحه جائزة “الاستحواذ الإنساني على الأمل”!
هكذا، وبفضل فارق الأهداف (+8)، تأهل المنتخب كأحسن ثالث في البطولة، بعد حسابات معقدة احتاجت إلى حاسوب فائق السرعة لفهمها، أو على الأقل إلى فقيه في علم “المعادلات الكروية غير المفهومة”.
قد يقول البعض إن الفوز بـ16 هدفًا على منتخب متواضع لا يمحو خيبة الهزائم الثقيلة، وقد يرد آخرون: “ولكن التأهل تأهل، ولو جاء على بساط الصدفة”.
وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة — أو نبتسم بمرارة — لهذا المنتخب الذي حطم الأرقام القياسية في كل شيء: الأهداف، الركنيات، ونسبة الحظ أيضًا.
أما الدرس الحقيقي، فهو أن كرة القدم ليست دائمًا مرآة للمنطق… بل أحيانًا، كما في حالتنا، مرآة للأقدار التي تحب أن تمزح قليلًا مع مشاعرنا.:
قد نضحك اليوم على المفارقة، لكن خلف هذه النتيجة المضحكة تكمن مأساة مزمنة في منظومة التكوين الكروي بالمغرب: منظومة تحب أن تقفز إلى النتائج قبل أن تبني الأسس.
فبدل أن ننشغل بصناعة لاعبين يعرفون كيف يواجهون اليابان أو ألمانيا، نجد أنفسنا نحتفل بأرقام خرافية تحققت أمام فرق بالكاد تعرف طريقها إلى المرمى.
الرياضة — مثل التعليم والصحة — لا تُقاس بالانتصارات العرضية، بل بما تبنيه من ثقة، ومنهج، ورؤية. أما حين تتحول الأقدار إلى خطة لعب، فالأمر لا يبشر بخير.
قد نتأهل اليوم، نعم، لكن إن لم نؤهل عقولنا قبل أرجلنا، فسنظل دومًا “ننتصر على كاليدونيا… ونُهزم أمام اليابان التي تعادلت مع كاليدونيا “.