حميد طولست، كاتب ساخروناقد اجتماعي.
يبدو أن السيد عبد الإله بنكيران – الرئيس السابق للحكومة، والحاضر الدائم في حفلات التهريج السياسي – قرّر أن يضيف إلى سيرته الذاتية المليئة بالمفارقات بنداً جديداً: خبير وطني في “النكتة الجهوية” و”التنكيت “على جزء من الشعبن الذي سبق أن عيره في قضية”تازة ولا غزة “.
الرجل الذي لم يترك مناسبة إلا وافتتحها بعرض كوميدي غير مرغوب فيه، خرج هذه المرة بتصريح يليق فعلاً بقنوات “الستريمينغ” وليس بقائد سياسي بقوله:
“لبراكنة كنقولو عليهم النكتال…”جملة الخفيفة مثل فقاعة صابون، لكن ثقيلها في الوقع الاجتماعي والسياسي شيديد جدا، لأنها تأتي من رجل لا يزال جزء من الجمهور يظنه سياسياً جاداً.
بنكيران… لا يملّ من اللعب في الملعب الخطأ
المؤسف ليس بما قاله فقط، بل بإصراره على تحويل السياسة إلى خيمة تنكيت، واعتبار المغاربة مجرد جمهور يتفرج على “الشيخ” في جلسة سمر. فبدل مناقشة البرامج، يفضل بنكيران مناقشة “النكَت”؛ وبدل مساءلة السلطة، يسائل الجغرافيا؛ وبدل احترام اختلاف المغاربة، يقرر أن يوزع عليهم “حصته من الفكاهة”.
لكن المفارقة الأكبر؟ أن نكتته جاءت فقط لأن خصمه السياسي من بركان. أي أن السيد اعتقد – بكل راحة ضمير – أن الطريق الأسهل لمهاجمة الخصم هي السخرية من أصله ومن أهله ومن تاريخه.
ويا ليتها كانت “نكتة مضحكة” حتى نقول: معليش.
لكنها كانت نكتة سخيفة وبئيسة… من النوع الذي لا يضحك حتى صاحبها.
لو عرف بنكيران التاريخ… لسكت
المشكلة أن الرجل يتحدث بثقة العالم العارف بكل شيء، بينما هو يجهل – كما يبدو – حتى أبسط ما ينبغي لرئيس حكومة سابق أن يعرفه:
من هم الزناسنة؟ من هم أهل بركان؟
لو كان قد فتح كتاباً واحداً… صفحة واحدة… سطراً واحداً… من التاريخ، لكان سمع على الأقل شهادة ابن خلدون في أهل آيت يزناسن: قوم بأس وشدة، شاركوا في تشكيل لحظات حاسمة من تاريخ المغرب، من المرابطين إلى عهد الحماية.
ولو عرف القليل من التاريخ المحلي، لعلم أن البراكنة هم الذين وقفوا في وجه المدّ الفرنسي القادم من الجزائر، بعد احتلال وجدة، وأنهم – لا غيرهم – منعوا الاحتلال من التقدم داخل التراب المغربي من شرقه.
تخيّل… رجال وقفوا في وجه جيش دولة استعمارية مسلحة… ثم يأتي اليوم سياسي يعجز عن الوقوف أمام ميكروفون دون أن يطلق “نكتة”، ليتهكم على أحفادهم!
مدينة تصنع رجال الدولة… وليست مصنع نكت
بركان عبر التاريخ كانت مصنعاً للرجال الذين خدموا الدولة من مواقع حسّاسة: أمن، إدارة، اقتصاد، قضاء… رجال تركوا بصمتهم في مفاصل الدولة المغربية.
واليوم… يأتي سياسي صنعته “الخطابات التي لا تنتهي” ليحول تاريخاً كاملاً إلى مادة للتنكيت.
والأغرب أن الذي دفع بنكيران إلى هذه الزلة هو بركاني أيضاً.
وهنا تصبح السخرية مضاعفة…
لأن بنكيران لم يكن يسخر من خصمه، بل كان يسخر – دون أن يدري – من تاريخ الرجال الذين صنعوا الدولة التي كان هو نفسه رئيساً لحكومتها!
سياسي… أم “مؤثر” يبحث عن التفاعل؟
في زمن السياسة الرديئة، يتحوّل بعض السياسيين إلى صُنّاع محتوى. لكن حين يصبح رئيس حكومة سابق “مؤثراً” يبحث عن عدد المشاهدات عبر النكت، فهنا لا نتحدث عن انحدار فحسب… بل عن فقدان الحدّ الأدنى من المسؤولية.
تصريح بنكيران ليس مجرد زلة لسان.
إنه خطاب استئصالي، تحريضي، مناطقي، لا يليق بسياسي بسيط، فبالأحرى بشخص حمل يوماً صفة “رئيس حكومة”.
كان عليه – على الأقل – أن يتذكر أن المغرب بلد هشّ في تركيبته الاجتماعية، وأن النكتة حين تأتي من موقع سلطة، تصبح خنجراً، لا ابتسامة.
كلمة أخيرة…
يا سيد بنكيران،
السياسة ليست “جلسة قهوة”، والشعب ليس “مجلس نكت”، والتاريخ أثقل من أن يُختزل في طرفة، خصوصاً إذا جاءت من شخص لم يضحك المغاربة يوماً… بقدر ما أضحك عليهم.
وإن كنت تبحث عن مادة للتنكيت… فالأجدر أن تبدأ من تجربتك السياسية نفسها: فهي كنز لا ينضب من المفارقات، أكثر طرافة من أي شيء آخر.