فاطمة الزماحي مفتشة تربوية -مادة الفلسفة-بمديرية وزان.
الكاتبة الإقليمية لنقابة مفتشي التعليم-فرع وزان-سابقا
فُتِحت جراحي التي لم تندمل بعد من جديد بعدما وردني اتصال هاتفي يوم أمس، يؤكد لي نبأ وفاة الزميلة شذى السرغيني؛ مفتشة تربوية بمديرية العرائش، بعد انصرام أسبوع مثقل بمشاعر الألم والحسرة على فقدان صديقتها المفتشة صفاء الزياني إثر حادثة شغل مروعة أودت بحياتهما تباعاً؛ وهما في طريق العودة من العمل بعد خروج السيارة المتهالكة عن مسارها جراء انفجار إطار إحدى عجلاتها، عربة نقل مهني تفتقر للحد الأدنى من شروط سلامة الأرواح وعافية الأبدان.
إن ما وقع للزميلتين صفاء وشذى، باعتباره حادثة شغل ثابتة الأركان، ليس عارضاً استثنائيا بل يعري واقعا مألوفا من ظروف اشتغال أهل التأطير والمراقبة والتفتيش بربوع المغرب؛ ظروف أقل ما يقال عنها كتوصيف أمين للواقع أنها هشة وغير آمنة بما تحمله الكلمات من معاني.
لذلك، فإن محاولة فصل الحادث المؤلم- الذي ذهبت ضحيته الزميلين- والذي كشف عن بنية وواقع اشتغال هيئة التأطير والمراقبة والتفتيش والتقييم،لهو مطب خطير ينأى بنا عن جوهر المشكل؛ حيث درج المفتشون والمفتشات طيلة سنوات على شد الرحال إلى مناطقهم التربوية في ظل شروط تنعدم فيها الحدود الدنيا من السلامة المهنية وحفظ الكرامة، تقودهم في ذلك غيرتهم وحرصهم على تأدية واجباتهم المهنية.
سالني أحد أقاربي بعد أن بلغته أصداء الفاجعة: هل السماح بخروج سيارة “الخدمة” المتهالكة إجراء مشروع قانونيا ولائق أخلاقيا؟وهل يغيب هذا المعطى عن ضمائر المسؤولين؟
ولأن الحقيقة ينبغي أن تقدم عارية من كل مساحيق التجميل والزينة أجبته بأن حالة سيارات “المهلكة” لا “المصلحة” معلومة عند الجميع؛ فالمديرية الإقليمية تعلم والأكاديمية الجهوية تعلم والوزارة الوصية على القطاع تعلم. لكن “ما باليد حيلة، فالأمر يتجاوزنا في انتظار إعلان الأكاديمية الجهوية أو الوزارة الوصية عن صفقة عمومية في الموضوع”. هكذا يرد كل مسؤول(ة)إقليمي(ة) حين يستفسر عن ذلك في لقاءات صدحت فيها حناجر منتدبي هيئة التفتيش بالمطالبة بتجديد أسطول السيارات المتداعية، غير أنه لا حياة ولا حياء للمسؤولين عن هذا الوضع العبثي!
ولما الاستعجال في الاستجابة لهذا المطلب مادام المتوفر من السيارات المهترئة يفي بالغرض، غرض الرفع من المؤشرات والتسابق نحو صدارة المنطقة الآمنة في قائمة المؤسسات المستهدفة بما سمي “مشروع الريادة”.
وكيف يستجيب المسؤول، وزملاؤنا، بدافع غيرتهم وحرصهم على القيام بواجباتهم المهنية، يجازف بعضهم بحياته عندما يقبل تولي مهمة السائق لتنضاف الى قائمة مهامه الأساسية، بينما يتعفف آخرون عن إبداء ملاحظاتهم الوجيهة حول سيارات “المهلكة” غير الصالحة للاستعمال الوظيفي التي تعهد إليهم عندما يعتزمون القيام بجولاتهم الميدانية؛فيختارون قيادة سياراتهم الخاصة مكرهين لا مترفين.
لقد أصبح واضحا أنه من غير المعقول اختزال أسباب الحادثة الأليمة في إثبات المسؤولية التقصيرية لهذه المديرية أو تلك الأكاديمية فحسب، فذاك حق مشروع لا يسقط إلا بترتيب الجزاءات وجبر ذوي الحقوق، وإلا اعتبر ذلك بمثابة تغطية مقصودة على أعطاب قطاع يدبر بما توفر وبمن صبر في إطار سياسة ممنهجة لا تتوانى عن إغداق الأموال وبعثرته بدون رقيب ولا حسيب على أوراش فتحت ولم تغلق؛ لا بتقييم شامل جدي ومسؤول ولا بمساءلة نقدية صريحة وشفافة تعيد وضع النقطة على الحروف. وبالمقابل تستكثر على رأسمالها البشري من أطر التفتيش والتدريس والإدارة ما يحفظون به ماء الوجه من شدة المطالبة والسعي” السعاية” لتجويد ظروف العمل والتنقل للقيام بالمهام والأدوار المنوطة بهم.
عجيب أمر هذه الدولة وغريب سلوك القائمين عليها؛ عندما تكرر في مناسبات فولكلورية عديدة على مسامع موظفيها، زورا وبهتانا،أنهم ركيزة من ركائز الإصلاح وأدرعه التنفيذية ،ولا تقوم بما يلزم لحماية أرواحهم من الأخطار المحدقة بهم عند أداء مهامهم؟! فكيف يعقل أن نطالب من الناس تفهم وضع هش (أصبح قاعدة عمل) أودى بحياة مؤطرتين كانتا تتنقلان بين مختلف المؤسسات التعليمية لأداء الواجب بكل تفان وإخلاص، اعتمادا فقط على النوايا الحسنة والوعود الوردية؟
السيدتان النبيلتان: صفاء وشذى كانتا والدتين مسؤولتين كذلك على رعاية أسرتيهما فضلا عن حياتهما المهنية،تركتا وراءهما قلوبا مكلومة لرحيلهما المباغت نتيجة التقصير والإهمال، ومعهما أسئلة معلقة عن حال ومآل أهل التعليم والتكوين والتقييم في بلد يزعم أن قضية التعليم تأتي بعد قضية الوحدة الوطنية.
خوفي أن تمر فاجعة فقدان شهيدتي الواجب المهني صفاء وشذى بلا مراجعة لأوضاع الهيئة أو مساءلة نقدية لمواقفنا جميعا، أهل التدبير وأهل الرقابة على حد سواء حتى لا يتكرر ما جرى.
ختاما، لا أجد أبلغ ولا أصدق من توصية والد شذى السرغيني شهيدة الواجب المهني، المفجوع بفقد فلذة كبده، موجها كلمته لكل من حضر لمواساته في مصابه، مناشدا الجميع ب”التكتل وتكثيف الجهود للنهوض بأوضاع الهيئة بقوة من أجل ظروف اشتغال تتوفر فيها معايير وشروط السلامة وحفظ الكرامة” لأنه لا شيء ،في اعتقادي الراسخ، يعلو فوق الحق في الحفاظ على الحياة.
فاطمة الزماحي مفتشة تربوية -مادة الفلسفة-بمديرية وزان.
الكاتبة الإقليمية لنقابة مفتشي التعليم-فرع وزان-سابقا