إنجاز: د الغزيوي أبو علي فاس
لم يعد الآن على الصعيد العالمي من لا يعرف البنيوية، فهذا الاسم عرف عدة تقلبات وتأويلات، وكثرت الكتابات النقدية والتربوية حول هذا المفهوم. ولم يقتصر المفهوم على الصعيد الأدبي بل امتد جذوره إلى العلوم الإنسانية كاللسانيات والأنتربولوجية والثقافة، والإبستمولوجيا، وغيرها من المعارف، فسؤالنا هو كالتالي ما هي البنيوية؟ وما مفاهيمها الجديدة؟ وما البنية؟ وكيف وظفها البنيوية؟ وهل هي البديل للمناهج الأخرى، كالتاريخي وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وإلى أين تتجه؟
فالحديث عن البنيوية ليس بالأمر السهل لأنها طرحت العديد من المصطلحات الجديدة على الممارسة التنظيرية والنقدية، والتجريبية، من هنا اتسمت كل كتاباتها بالغموض والقلق، وأمس الباحث يسأل نفسه عن الطريق السهل للتعامل مع النص.
مفهوم البنيوية:
إن مصطلح البنية لم يظهر لأول مرة إلا في حلقة براك الألسنية وخاصة على شكل أطروحة “قضايا منهجية نابعة من مفهوم النعة كنسق” ونجت بالمقابل عنوانا فرعيا هو “موازنة بنيوية وموازنة تكوينية” ويمتدح أهل الحلقة هذا المنهج للسماح باكتشاف قوانين بنية الأنساق اللسنية ونموها، لذا فمفهوم البنية يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم العلاقة “داخل النسق لأن المحتوى الحسي لعناصر فونولوجية كهذه ثانوية بالنسبة للعلائق المتبادلة في قلب النسق، إن هذه المبادئ صالحة للتطبيق على كل أجزاء اللغة حتى على فئات الكلمات، حيث يجب أن يدرس النسق بالدقة وكل البنيات الداخلية أي “العلائق المتبادلة بين عناصره، لكل لغة بصفة خاصة، فلا يمكن تحديد مكان كلمة في نسق لغوي إلا بعد دراسة بنية هذا النسق من هنا كما قلت تتحدد البنية ك(بنية نسق) على حد تعبير تروبتسكوي، فتعريف الفونيم هو تحديد مكانه في النسق الفونولوجي، الشيء الذي يسمح بالاستنتاج على أن بنية هذا النسق الفونولوجي تنطلق من النسق وكأنها تنطلق من كل جسد عضوي تدرس بنيته، فالفونولوجيا الحالية تتميز خاصة ببنيويتها وبفردانيتها النسقية، لأن الفترة التي نعيش فيها تتميز بميل المواد العلمية لإخلال البنيوية مكان الذرية والكونية مكان الفردانية بالمعنى الفلسفي لهذه المصطلحات فالنسق يتميز إذن عن باقي الأنساق بالتنسيق الداخلي لهذه الوحدات تنسيقا يؤلف بنيتها.
ومن الواضح أن المبدأ الأساسي هو أن اللغة تتضمن نسقا حيث كل الأجزاء توحدها علاقة تضامن وتعلق، إذ هذا النسق يلم عضويا وهذه الوحدات غير المتمفصلة لا تتمايز بل تتحدد بالتناوب وهذا مد دفع بالمنهج البنيوي لإعطاء أهمية للنسق الذي يهيمن على جميع العناصر ويهدف إلى إبراز بنية النسق من علائق هذه العناصر سواء في السلسلة المتكلم بها أو في المنسقيات القطعية وبين الطابع العضوي للتغيرات التي تخضع لها اللغة (معنى وظيفة مصطلح البنية من مقال “البنية طرح الألسنية” لا ميل بنفينيست طل 2 – موتون لاهاي باريس 1972 ص31 – 39.
من الثنائية الشكلية إلى وحدة البنية:
لقد كان مفهوم الشكل عند الشكلانيين الروس الذين ينتسبون إليه مجالا واسعا بحيث يقترب من مفهوم البنية. فالمضمون إذن يتوزع في النص وينتشر في كل أجزائه، إنه كالنسخ في النباتات والماء في الأرض، والدم في الجسد الحي، وقد يشمل المضمون عدة موضوعات، وعالما من الدلالات، أما الموضوع فهو مجرد فكرة موجزة أو قضية إشارية لهذا اعتبرته خالدة سعيد مجرد مطية للوصول إلى المعمار الفني الشامخ الذي يلعب دور العلامة ذات العمولة المتعددة الإشارات والدلالات.
فإذا كانت الرؤية النقدية تعتبر الشكل مجرد حبر للعبور إلى المضمون فلا يحق للرؤية النقدية المعاصرة أن تعد المضمون وسيلة للوصول إلى الشكل الفني لعدم الفصل بين الشكل والمضمون الذين ينفصلا بعد الإنجاز الكتابي عن الموضوع الضيق بالقياس إلى وحدتهما، فالموضوع إخبار، والشكل إشاري يحمل مضمونه، ولا يقع التفاعل الجدلي إلا بين الشكل والمضمون إن المضمون متعدد وشامل ومحيط بكل معاني الشكل.
ومهما يكن من أمر فالبنيوية عرفت ازدهار مع جماعة، الشعلانيين، وبراغ، وأطروحة سوسير، وجماعة النقد الجديد، فهؤلاء انطلقوا على أساس رفض الأحكام القيمية، وإحلال حكم هو الواقع المتمثل في النص الأدبي في ذاته، أي النص وليس غير النص مع الاعتماد على قوانين التبئير والتراتب كما يقول صلاح فضل في كتابه “مناهج النقد المعاصر” دار الأفاق العربي ط1 – 1997 ص97، من هنا سأقتصر على بعض الرواد الذين أغنوا الثقافة العالمية والفرنسية والعربية منهم جيرار جيت وغيره من الباحثين أصحاب جماعة “تيل كيل” والسؤال المطروح إذن هو على الشكل التالي، كيف تعامل مع المصطلح “البنية” وما علاقة هذه البنية بالعلامة، والمعنى، واشفرة والرسالة وغيرها.
مفهوم البنية عند جيرار جنيت :
اعتمد هذا الباحث نظرا لانتمائه إلى مدرسة النقد البنائي الفرنسية وتأكيده على ضرورة اللالتزام –l’engagement بهذا النهج حيث يعترف بضرورة الاعتراف بالمناهج الأخرى مثل النهج التفسيري – herméneutique، والمنهج التاريخي، والمنهج النفسي، ويقول تودوروف في كتابه “شعرية النثر والبنية الحكائية هي البحث عن سبب مطلق (شخصية حدث – شيء – حيث يكون هناك غياب – لب – سبب جوهر – حقيقة) وهو الذي يمؤسس كل شيء إذا هناك غياب، وهناك أيضا حضور، حضور البحث الذي ليس شيئا سوى البحث عن غياب سر جوهري لا يسمى، لنفوذ غائب أقوى هو الذي يدير آلة السرد كلها” ص83. فمفهوم العمل الأدبي هو مفهومي الشكل والمحتوى إذ لم يظهر إلى الآن في أي مكان منفصلين، بل أمس كل واحد له بنيته وحيث له دالته مع الدوال الأخرى، لأن العمل الأدبي حسب جينت بنية لتلك المجموعات الأولية التي يفككها مرمق حرفي ليستخلص منها عناصر إذ يفهم أن لكل جذاذة عنصر وشعار المرمق الحرفي لا يمكن أن ينفع دائما هي بالذات المسلمة التي تلهم الناقد أثناء إعداد جذاذاته المادية والمثالي” أوجه سوى 1966 ص147، وجيرار جينت يحاول جهدا أن يميز بين هذه المستويات.
العلامة والمعنى :
فحسب جيرار جينت إذا كان الكاتب أو المبدع يسائل الكون فإن الناقد يسائل الأدب أي كونا من العلامات ولكن ما هو علامة عند الكاتب “العمل الأدبي، يغدو معنى عند الناقد بما أنه موضوع الخطاب النقدي وبعبارة أوضح ما كان معنى عثر الكاتب (رؤيته للعالم) يغدو علامة لدى وكموضوع ورمز لطبيعة أدبية ما أكيدة ص148، ويرى في الشفرة code والرسالة message أن الزمن قد ولى نشاهد فيه إلى الأدب كمرسلة بدون شفرة، لكن يصبح من اللازم النظر فيه لحظة كشفرة بدون رسالة، من هذا المنظور أن المنهج البنيوي ينبغي أن ننظر إليه في اللحظة الدقيقة على أن هناك رسالة في الشفرة، وهذا ما أبرزته التحاليل المحايثة التي تقص الخارج الإيديولوجي، ولا يمكن لهذه اللحظة أن تتأخر طويلا لأن وجود العلامة يستند في جميع المستويات على علاقة الشكل والمعنى ص153 (نفس المرجع).
مفهوم البنية عند رولان بارت :
لقد حاول رولان بارت أن يتعامل مع هذا المشروع تعاملا كليا، إذ اعتبر من الأكابر الذين عمدوا إلى إعطاء هذا المصطلح مفهوما شموليا يلغي كل تصور خارجي.
وكل وصف ذا دلالة واحدة، إذ بواسطة اللغة عرفت الكتابة للأدبية، وانعقد تحريرات من التيارات الفيلولوجية، والتأويلية ويقول في هذا العدد “لم يبق من ذلك على الأقل إلا أنه محكيا لا يتألف إلا من وظائف، إذ كل شيء على درجات مختلفة، دال وهذا ليس بالأمر الهين وليست قضية من طرف السارد ولكنها قضية بنية” رولان بارت R. Baithes مدخل إلى التحليل البنيوي للمحكيات بالفرنسية سوى 1987 ص13 ورولان بارت، فبارت يعمل على إلغاء كل ما هو خارجي من أجل إعادة للأدب شاعريته وذلك عبر جسر اللغة لأنها هي المعلمة الأساسية التي تؤسس كل العوامل الممكنة في شكل علامات، لأن اللسانيات قد مكنت عملية تقويض المؤلف من أداة تحليلية ثمينة، وذلك عندما بينت أن عملية القول وإصدار العبارات عملية فارغة في مجموعها وأنها يمكن أن تؤدي فعلها المباشر دون التدخل للأنا، ويقول في هذا الصدد اللغة بمعنى الكلمة يمكن تحديدها بمساعدة حكمين أساسين التنظيم أو التقطيع الذي ينتج وحدات إنه الشكل حسب بنفنيست، والإدماج الذي يدخل هذه الوحدات في وحدات من مستوى، أعلى إنه المضمون، هذا الحكم المزدوج يوجد في لغة المحكي، إنها تعرف هي أيضا تنظيما وإدماجا شكلا ومضمونا” نفسه ص27 وبنفسيت بدوره يرى أن المعنى هو المفهوم الذي يتضمن مصطلح اللغة بالذات كمجموعة طرق التواصل مماثلة ومفهومة من طرف المتكلمين، والشكل من وجهة نظر لسنية بأنه فن مادة التقليد الشفوي، فالشكلية عقيمة اللهم إذا جاءت الملاحظة الأثنوغرافية المباشرة وغير المباشرة لإخصابها.
لقد أصبح اليوم من المحقق أن الكلام بنيوي على المستوى القوي والمرء يقتنع بالتدرج بأن كذلك أيضا على المستوى النحوي، ولكن أقل تأكيد أن يكون كذلك على المستوى اللغوي، ربما أن يخص المجالات المحظوظة لم تكتشف بعض الزوايا التي يمكن أن يعطي المستوى اللغوي منها الانطلاقة للتحليل البنيوي لأن هذا الأخير حسب كلود ليفي شتراوس يتأسس على اكتشاف الأشكال في قلب محتويات متغيرة، فما مفهوم البنية عند ليفي شتراوس.
إن مفهوم البنية في العقلية ليست سوى مخلفات للموضة à la concession mode لاشك أن شخصية نمطية يمكن اعتبارها من وجهة نظر البنية نفس الشيء يغدو وحقيقيا بالنسبة لتنظيم فيزيولوجي لجسد ما أو لمجتمع ما أو لثقافة أو لدلالة، كل شيء بشرط أن يكون عديم الشكل Forme يمتلك بنية إذ تقدم البنية طابعا نسقيا système إنها تتشكل من عناصر بحيث أن أي تغيير بأحدها يؤدي إلى تغيير باقي العناصر، ويقول تودورق إن أحد أسباب وجود مفهوم البنية هو هذا بالذات تجاوز ثنائية الشكل والمضمون لاعتبار العمل الأدبي في كليته ووحدته الحركية: مدخل إلى الأدب الخارق” ط سوي سنة 1970 ص100 (بالفرنسية).
وجماع القول أن المنهج البنيوي لا زال يثير النقاش بين الباحثين، فسيبقى هذا المنهج كمواظفات بين القارئ والناقد، وإذا تأملناه وجدناه لا يخرج عن كونه نظاما من الرموز يخرجها من باطن النص ويقول شكري محمد عياد “فالبنيوية معادية للتاريخ أو على الأقل أنها تنكر عملية التاريخ ومن ثم فلا مكان فيها لفكرة التطور التي لا تفهم الاشتراكية بدونها، وأنها ترفض اعتبار الإنسان مقياس كل شيء وصانع القيم ومن ثم تشن الحرب على الظواهرتية والوجودية وأنها علمية تحاول أن تصل بالدراسة الأدبية والدراسات الإنسانية كلها إلى درجة من الثفات تسمح باستخدام الوسائل الرياضية في البحث “بين الفلسفة والنقد” منشورات أصدقاء الكتاب 1990ص82.