كرونيك سياسية ساخرة عندما تخاف الدولة العميقة… تستدعي الشعبوي!

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

هناك نوع خاص من الكفاءات لا يُدرَّس في الجامعات، ولا تُمنَح له شهادات، لكنه مطلوب بشدة في لحظات الخطر الوطني.
كفاءة لا علاقة لها بالاقتصاد، ولا بالحكامة، ولا بإدارة الشأن العام، بل بقدرة خارقة على تنويم الفقراء مغناطيسيًا، وإقناع الجائع بأن الجوع قدرٌ جميل، وأن رفع الدعم “إصلاح مؤلم لكنه ضروري”… مثل خلع ضرس بلا مخدّر.
كثير من الناس لا ينتبهون إلى الظروف الغامضة التي يتم فيها إسناد “المهام القذرة” لأشخاص محدودي المؤهلات، إلا من موهبة واحدة: الدغدغة الخطابية لمشاعر الأميين والمقهورين، خدمةً لأولياء نعمتهم الحقيقيين، الذين يفضّلون البقاء في الظل، وترك الواجهة لشخص “شعبي”، صوته عالٍ، ولسانه طويل، وضميره في إجازة مفتوحة.
هكذا، مثلاً، فُهمت عودة عبد الإله بنكيران إلى رئاسة حزبه، لا كحدث ديمقراطي داخلي، بل كـتمرين إحماء قبل سباق انتخابي قادم، قد يكون عنوانه العريض:
“من يجرؤ على ذبح ما تبقى من الدعم دون أن يُشتم؟”
فالدولة، كما يُقال، لا تحب أن “تتوسّخ يداها” مباشرة.
هي “تتحشم على عرضها”، لكنها لا تتحرج من تكليف غيرها بالعمل القذر: رفع الدعم عن المحروقات ✔
تحرير أسعار المواد الاستهلاكية ✔
تفكيك صندوق المقاصة ✔
رفع سن التقاعد ✔
إجراءات كانت كل الحكومات السابقة تتحاشاها، وكل الدولة تتجنبها، لأن الضغط الشعبي—وخاصة ضغط الفقراء—كان خطًا أحمر.
إلى أن جاء بنكيران…فضغط الزر بكل أريحية، ومرَّر ما عجز عنه الجميع، وهو يبتسم، ويُقسِم أن ذلك “في مصلحة الوطن”، بينما الوطن كان واقفًا في طابور الفقر.
واليوم، يبدو أن السيناريو يُعاد إخراجه، لكن بنسخة أكثر قسوة:
رفع الدعم عن السكر والطحين والبوطة،
رفع اليد نهائيًا عن الصحة والتعليم،
زيادات في الماء والكهرباء،
وربما—لمَ لا؟—رسوم على الهواء الذي نتنفسه.
غير أن تمرير كل هذا يحتاج إلى شخص لا يخجل، ولا يرفّ له جفن، ولا يخاف لومة لائم.
شخص مستعد لقول ما لا يُقال، وفعل ما لا يُفعل، مقابل العودة إلى “الوجاهة”: إلى السيارات الفارهة،
إلى، الحراسة الأمنية، إلى أبهة المنصب،
وما خفي أعظم… وأغلى.
وليس هناك ألح لهذه المهمة القدرة “قد” ذاك الرجل الذي صرح، غير ما مرة، بأنه نادم على عدم تمرير كل تلك القرارات اللاشعبية عندما كان في السلطة، وكأنه يقول:
“أعطوني فرصة أخرى… هذه المرة لن أترك شيئًا واقفًا.”
المفارقة المأساوية؟ أن الطبقة الفقيرة والأمية—التي هي عماد شعبيته الانتخابية—هي نفسها التي دفعت الثمن سابقًا، وهي المرشحة لدفعه مضاعفًا لاحقًا، إن عاد السيناريو القديم بوجوه “مُجَرَّبة”.
فهل ستُعيد الدولة العميقة بنكيران إلى رئاسة الحكومة، لا لأنه الحل، بل لأنه الأداة الأنسب لتمرير ما لا يُمرَّر؟
وهل سيصفق له الفقراء مرة أخرى، بينما تُسحَب الأرض من تحت أقدامهم، باسم “الإصلاح” و”الواقعية” و”الله غالب”؟
في السياسة المغربية، أحيانًا، أخطر ما يمكن أن يحدث للفقراء… أن “تُخلى دارهم” باسمهم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *