بدر شاشا
يُعتبر قطاع الصرف الصحي في المغرب من القطاعات الحيوية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالصحة العامة، والحفاظ على البيئة، وجودة حياة المواطنين. على مر العقود، واجه هذا القطاع تحديات كبيرة، أبرزها زيادة السكان، التوسع العمراني، تلوث المياه، والنقص في البنية التحتية الحديثة. ومع استمرار النمو السكاني وتزايد التمدين، أصبح تحديث وتطوير قطاع الصرف الصحي ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الموارد المائية وحماية البيئة والصحة العامة.
في الماضي، اعتمد المغرب على شبكات صرف صحي محدودة وبسيطة، غالبًا غير متصلة بشكل كامل بالمجتمعات الريفية أو الأحياء الحضرية الجديدة. كما كانت محطات معالجة المياه العادمة قليلة ومحدودة القدرة، مما أدى إلى تصريف جزء كبير من المياه العادمة في المجاري المائية والأنهار دون معالجة كافية. هذا الوضع تسبب في تلوث مصادر المياه، وتدهور البيئة، وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه، وأثر سلبًا على الزراعة والاقتصاد المحلي.
مع مرور الوقت، أصبح من الضروري تطوير هذا القطاع لمواكبة الزيادة السكانية السريعة والنمو العمراني في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، الرباط، فاس، ومراكش. فقد تضاعف عدد السكان بشكل ملحوظ، وزاد الطلب على مياه نظيفة وخدمات صرف صحي متطورة، مما استدعى تدخل الدولة والمؤسسات المحلية لإنشاء شبكات صرف صحي جديدة ومحطات معالجة متقدمة. تم توسيع البنية التحتية لتشمل المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، مع التركيز على إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو الاستدامة البيئية.
يواجه تدبير المياه العادمة في المغرب اليوم تحديات متعددة، أبرزها الاكتظاظ السكاني في المدن، وتوسع الأحياء الجديدة خارج نطاق الشبكات التقليدية، ونقص التمويل في بعض المناطق، بالإضافة إلى التغير المناخي الذي يزيد من ندرة المياه. لذلك، أصبح من الضروري تحديث محطات المعالجة، استخدام تقنيات متقدمة لمعالجة المياه العادمة، ومراقبة جودة المياه بشكل مستمر لضمان سلامة المواطنين والحفاظ على البيئة. يعتمد المغرب الآن على استراتيجيات متعددة، تشمل تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير مشاريع محلية لإعادة تدوير المياه، وإنشاء محطات معالجة جديدة، وتحديث الشبكات القديمة بما يتوافق مع المعايير الدولية. يلعب التخطيط العمراني والتنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية دورًا محوريًا في نجاح إدارة الصرف الصحي. فالمدن الجديدة تحتاج إلى تصميم شبكات صرف صحي متطورة منذ البداية، مع مراعاة توقعات النمو السكاني المستقبلي. كما أن التوعية المجتمعية بأهمية الحفاظ على شبكات الصرف الصحي وعدم رمي النفايات الصلبة في المجاري تعد جزءًا لا يتجزأ من النجاح البيئي لهذه المشاريع.لا يقتصر التطوير على الجانب التقني فحسب، بل يشمل أيضًا الإطار القانوني والتنظيمي للقطاع. فقد تم وضع سياسات وطنية تهدف إلى تعزيز إدارة الموارد المائية وتحسين جودة خدمات الصرف الصحي، وتشجيع الابتكار في تقنيات المعالجة، وتطبيق نظم إدارة بيئية شاملة تضمن استدامة هذه الموارد الحيوية. كما يسعى المغرب إلى الاستفادة من الخبرات الدولية في مجال الصرف الصحي ومعالجة المياه العادمة، لتطبيق أفضل الممارسات التقنية والإدارية.إن قطاع الصرف الصحي في المغرب قد قطع خطوات مهمة منذ الماضي البسيط إلى الحاضر الحديث، لكنه يواجه تحديات مستمرة بسبب النمو السكاني والتوسع العمراني. إن التحديث المستمر للبنية التحتية، تبني التقنيات الحديثة لمعالجة المياه، تطبيق نظم إدارة بيئية متكاملة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، كلها عوامل أساسية لضمان قدرة المغرب على استيعاب المياه العادمة وحماية البيئة والصحة العامة. إن المستقبل يتطلب استثمارات مستمرة، تخطيط استراتيجي طويل المدى، وابتكار مستمر لضمان قطاع صرف صحي فعال ومستدام يلبي حاجيات المواطنين ويلبي متطلبات التنمية المستدامة في البلاد.