حين تكال حقوق الإنسان بمكيالين.

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في إيران، حيث ترتفع أسعار الخبز أسرع من سرعة الرصاص، وحيث صار الاحتجاج فعل شجاعة قد يُكلِّف صاحبه الحياة، تتوسع رقعة الغضب الشعبي، ويسقط العديد من القتلى في الشوارع، لا لأنهم حملوا سلاحًا، بل لأنهم حملوا بطونًا فارغة وأحلامًا متآكلة.
لكن الغريب، بل المعجزة السياسية، أن هذه الدماء لا تُرى في المغرب لا على شاشات “المناضلين”، ولا في بيانات “الضمير الحي”، ولا حتى في هوامش الخطاب الأخلاقي المستورد.
فأبواق نظام الملالي في المغرب—وإن تنكّروا—أُصيبوا فجأة بحالة نادرة من الصمم الأيديولوجي، والبكم النضالي، والعمى الانتقائي. كأن الاحتجاجات الإيرانية تقع في كوكب آخر، أو أن القتلى هناك بلا دم، أو أن الإنسان الإيراني أقل إنسانية من غيره.
الخطاب العمومي عند هؤلاء لا يرى العالم إلا من ثقوب أيديولوجية ضيقة، أشبه بعدسات مكبرة لا تُستعمل إلا عندما يكون المتهم هو الدولة المغربية.
هناك، تُوزَّع صكوك التعاطف بسخاء، وتُستنفَر البيانات عند كل زلة لسان، وكل شجار محلي، وكل حجر تحرّك من مكانه دون ترخيص.
بل قد تُنظم وقفات احتجاجية دفاعًا عن الشجر، والحجر، والحشرات المهددة بالانقراض ،وكأن البلاد تعيش نهاية العالم كل صباح.
لكن هذا السخاء الأخلاقي يتبخر فجأة، ويتحول إلى تصحّر ضميري، عندما يتعلق الأمر بأولياء النعمة الإقليميين.
في إيران، يُقتل المتظاهرون في الشوارع. تُسحق الاحتجاجات بالرصاص والسجون وتُصادر الحياة باسم ولاية الفقيه والطهر الثوري، تُصاب هذه الألسن بشلل أخلاقي غريب، لا بيانات، لا إدانات، لا دموع، ولا حتى همس خجول.
حيث نجد بن كيران داير جولة في الشمال، كيعاود للعيالات النكت.
والحقداوي كيلحس الكابا بحذر، باش يبعد عليه الشبهات.
وويحمان داير وقفة احتجاجية على اعتقال مادورو، لأن فنزويلا أقرب إلى القلب من طهران!
ووصوت قطر وباقي الأبواق “عامل راسها ميته “، لأن الميت لا يُحرج، ولا يُسأل عن موقف.
المفارقة هنا ليست فقط صارخة، بل فاضحة ، حيث أن هؤلاء لا يدافعون عن الإنسان بوصفه إنسانًا، بل عن القضايا بوصفها شعارات نافعة في موسم “تصياد” الأصوات ، لأن الأخلاق لديهم ليست مبدأً كونيًا، بل زر تشغيل وإيقاف: تشتغل ضد المغرب، وتتعطّل تلقائيًا عند الاقتراب من نظام الملالي، أو أي نظام “صديق” آخر.
إنها حقوق إنسان بنظام الاشتغال عن بُعد: تُفعَّل عندما يكون القمع في الاتجاه الخاطئ، وتُعلَّق عندما يأتي القمع من الجهة “المقاوِمة”، “الثورية”، أو “الممانِعة”.
أما الشعب الإيراني؟ فليصبر… إلى أن تُقرِّر الضمائر المؤجل أن حياته تستحق بيانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *