لو توحّد العرب والأفارقة… حين نملك كل أسباب القوة ونختار الضعف

بدر شاشا 
لو جلس العرب والأفارقة لحظة صدق مع أنفسهم، لا مع خطابات المجاملات ولا مع شعارات المناسبات، لاكتشفوا حقيقة صادمة: نحن لا نفتقر إلى أي عنصر من عناصر القوة، بل نفتقر فقط إلى الوعي بها وإلى الإرادة التي تحميها. نملك الأرض، ونملك الإنسان، ونملك الثروات، ونملك الموقع، ونملك التاريخ، ومع ذلك نعيش على هامش العالم، نستهلك أكثر مما ننتج، ونتصارع أكثر مما نبني، ونرفع رايات وحدودًا رسمها لنا غيرنا ثم نتقاتل دفاعًا عنها وكأنها مقدسة.
تخيل فقط لو توحدت الأمة العربية مع العمق الإفريقي في عملة واحدة، في رؤية اقتصادية واحدة، في سوق واحدة، في مشروع حضاري واحد. نحن نتحدث عن قارة هي الأغنى في العالم من حيث الموارد الطبيعية، وعن مجال جغرافي يملك أكبر احتياطي من الفوسفاط، وكميات هائلة من البترول والغاز، وأراضي فلاحية لو استُغلت بذكاء لأطعمت نصف سكان الأرض، وموارد مائية متنوعة، وبحار ومحيطات، وشمس ورياح لا تنضب، وقبل كل هذا وبعده، موارد بشرية شابة، قادرة على العمل والإبداع لو وُفّر لها الأمل بدل الهجرة واليأس.
أفريقيا ليست فقيرة، والعالم العربي ليس عاجزًا، لكن الفقر الحقيقي هو فقر التنسيق، والعجز الحقيقي هو عجز القرار المستقل. ما الذي ينقصنا حتى نصبح أقوى كتلة اقتصادية في العالم؟ لا شيء سوى أن نتوقف عن استيراد خلافاتنا، وعن تصدير خيراتنا بثمن بخس، وعن استهلاك عملات غيرنا بينما نحتقر عملاتنا. عملة واحدة مدعومة بالثروات الحقيقية، لا بالديون الوهمية، كانت كفيلة بأن تغيّر موازين الاقتصاد العالمي، وأن تحررنا من الابتزاز المالي، ومن شروط المؤسسات الدولية التي لا ترى فينا سوى سوقًا ويدًا عاملة رخيصة.
لكن لماذا لم يحدث هذا؟ لأن الحدود التي تفصلنا ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل جدران في العقول. حدود صُنعت بعناية، وزُرعت معها الخصومات، وأُشعلت حولها النزاعات، حتى لا نلتقي، وحتى لا نفكر معًا. هذا ما أراده الأعداء الخارجيون منذ البداية: أن نبقى مجزّئين، متخاصمين، منشغلين بصراعات داخلية، بينما تُنهب ثرواتنا باسم الشراكات، وتُستنزف طاقاتنا باسم الاستقرار.
نحن لا نختلف لأننا مختلفون فعلاً، بل لأن الخلاف صار مشروعًا مربحًا للبعض. نختلف على اللغة ونحن نتحدث اللغة نفسها، نختلف على الدين ونحن نعبد الإله نفسه، نختلف على الحدود التي رُسمت لنا دون استشارتنا، ثم نسمي هذا واقعًا ونستسلم له. أي عبث هذا؟ وأي هدر أكبر من هدر أمة كاملة لفرصتها التاريخية؟
لو وُجد مشروع وحدوي حقيقي بين العرب والأفارقة، يبدأ بالاقتصاد وينتهي بالسياسة، لَما احتاج شاب إفريقي أو عربي إلى المخاطرة بحياته في قوارب الموت، ولما كانت ثرواتنا تُستخرج بأيادٍ أجنبية وتُعاد إلينا في شكل منتجات بأسعار مضاعفة. كنا سنصنع، ونزرع، ونصدّر، ونفرض شروطنا بدل أن تُفرض علينا.
إلى متى سنبقى نكرر الأخطاء نفسها ثم نلوم الزمن والمؤامرات؟ نعم، هناك مؤامرات، لكن الأخطر منها هو قبولنا الدائم بدور الضحية، واستمرارنا في جلد ذواتنا دون فعل. العالم لا يحترم الضعفاء ولا ينتظر المترددين. القوة لا تُمنح، بل تُبنى، والوحدة لا تأتي بالشعارات، بل بالإرادة والشجاعة في اتخاذ القرار.
هذه الأمة، العربية والإفريقية، ليست أقل من غيرها، لكنها أقل إيمانًا بنفسها. وحين نؤمن بأننا نستحق مكانًا في مقدمة العالم، لا في ذيله، وحين نفهم أن اختلافنا مصدر غنى لا ذريعة صراع، عندها فقط سيتغير كل شيء. أما إن بقينا نُقدّس الحدود أكثر من الإنسان، ونخاف من الوحدة أكثر من الخضوع، فسنظل نطرح السؤال نفسه جيلاً بعد جيل: كيف نملك كل شيء، ونخسر كل شيء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *