الجزائر بين كرة القدم وخطاب التبرير… حين يتحول الآخر إلى شماعة دائمة بكاء بكاء بكاء 

 
بدر شاشا 
 
في كرة القدم، لا تُقاس قيمة الدول بعدد الصراخ، ولا بعدد البيانات، ولا بطول النقاشات في الاستوديوهات، بل تُقاس بما يُنجز داخل المستطيل الأخضر، وبما يُبنى خارجه بهدوء. الجزائر، كمنتخب وكإعلام رياضي، وقعت منذ سنوات في فخّ خطير: فخّ تحويل كل إخفاق إلى مؤامرة، وكل هزيمة إلى ظلم تحكيمي، وكل تفوق للآخر إلى استفزاز يجب مهاجمته بدل فهمه.
 
الغريب في المشهد الجزائري الكروي أن اسم المغرب حاضر بقوة أكبر من حضور المنتخب نفسه في البطولات. نقاشات لا تنتهي، اتهامات جاهزة، تركيز مفرط على ما يفعله الجار بدل التركيز على ما يجب فعله داخليًا. وهذا السلوك لا يخدم الجزائر، ولا يرفع من شأنها، بل يستنزف طاقتها ويُدخلها في دوامة تبرير لا تنتهي.
 
كرة القدم لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا بالعداء، ولا بالخطاب الشعبوي. حين يُقصى منتخب، فالمراجعة تبدأ من الاختيارات، من التكوين، من الدوري المحلي، من الاستقرار التقني، لا من البحث السريع عن الحكم أو الاتحاد أو الخصم. المشكلة حين يصبح البكاء لغة رسمية بعد كل خسارة، وحين يتحول الإعلام من ناقد إلى محامي أعذار.
 
الجزائر بلد كبير، بتاريخ كروي محترم، وبمواهب لا يُستهان بها. لكن المواهب وحدها لا تكفي إن غاب المشروع، وإن انعدمت الاستمرارية، وإن سيطر منطق ردّ الفعل بدل منطق البناء. المنتخبات الكبرى لا تنهار نفسيًا بعد ضربة، ولا تجعل من الهزيمة قضية وطنية تُدار بالانفعال، بل تعتبرها محطة للتصحيح.
 
المقارنة مع المغرب هنا ليست للتشفي، بل للفهم. المغرب اختار الصمت والعمل. خسر مرات، وانتُقد كثيرًا، لكنه لم يعلّق فشله على شماعة الآخرين. بنى أكاديميات، راهن على الاستقرار، منح الثقة، وترك الملعب يتكلم. لذلك حين فاز، فاز بقناعة، وحين خسر، خسر بكرامة.
 
المشكلة ليست في الخسارة أمام هذا المنتخب أو ذاك، فنيجيريا، السنغال، مصر، كوت ديفوار، كلها مدارس كروية قوية. المشكلة حين تكون الهزيمة دائمًا “غير عادلة”، وحين لا يكون الخطأ أبدًا داخليًا. هذا المنطق يقتل التطور، ويجعل الجماهير تعيش على الغضب بدل الأمل.
 
الإعلام الرياضي الجزائري مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يراجع دوره. التحريض لا يصنع بطولات، ورفع الصوت لا يُسجل أهدافًا، واستعداء الجيران لا يرفع الكأس. كرة القدم تحتاج إلى عقل بارد، ونقد صادق، وشجاعة الاعتراف قبل شجاعة الاتهام.
 
الجزائر لا تحتاج إلى عدو خارجي هي تظن هذا لأنها تحتاج طبيب نفسي لتنهض وكذلك ، تحتاج إلى مصالحة مع واقعها الكروي، وإلى خطاب يُحاسب قبل أن يهاجم، ويُصلح قبل أن يصرخ. حين يحدث ذلك، ستعود الجزائر قوية في الملعب، محترمة خارجه، ويعود التنافس مغاربيًا صحيًا، كما يجب أن يكون: تنافس كرامة، لا ضجيج.
 
كرة القدم في النهاية لا ترحم الخطاب، بل تكافئ العمل. ومن يُكثر الكلام، غالبًا لأنه لم يعد يملك ما يقوله الملعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *