الفجوة بين التعليم العالي ومخرجات سوق العمل : أزمة بطالة وتحديات التخصصات المفتوحة

إعداد الباحث: بدر شاشا
يعيش المغرب في السنوات الأخيرة وضعًا معقدًا في علاقة التعليم العالي بسوق العمل، حيث يعكس الواقع ارتفاعًا في عدد الحاصلين على الشهادات الجامعية، خصوصًا من خلال التعليم العالي المفتوح، مع تزايد معدلات البطالة بين الخريجين وتحول الشهادة الجامعية إلى ورقة بلا ضمانات مهنية واضحة. هذا التناقض بين النمو الأكاديمي وركود سوق العمل لا يضغط على الشباب فحسب، بل ينتج آثارًا اقتصادية واجتماعية عميقة تؤثر على الأسرة والمجتمع ككل.
تظهر البيانات الرسمية أن معدل البطالة في المغرب وصل إلى حوالي 13.3% بحلول نهاية عام 2024 بعد فقدان الكثير من الوظائف خصوصًا في القطاع الزراعي بسبب الجفاف المتواصل، وهو ما أثر سلبًا على فرص التشغيل بشكل عام. وفي هذا السياق، بلغ عدد العاطلين نحو 1.63 مليون شخص من إجمالي سكان حوالي 37 مليون نسمة، مع ارتفاع كبير في نسبة البطالة بين الشباب والأكاديميين.
ومن أبرز جوانب هذه الظاهرة، ارتفاع معدلات البطالة لدى حاملي الشهادات العليا مقارنة بالمتوسط الوطني، حتى في ظل توسع التعليم العالي المفتوح. ففي 2023 وصل معدل البطالة بين خريجي الجامعات نحو 25.9%، وهو معدل لم تشهده البلاد منذ أكثر من عشر سنوات، ما يعكس خلا فًا واضحًا بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات سوق العمل.
تناقض آخر واضح يكمن في ارتفاع البطالة حتى بين التخصصات المتوسطة والمهنيين، حيث تسجل هذه الفئات معدلات عالية مقارنة بالحاصلين على شهادات أقل مستوى، بل في بعض الحالات يكون العاطلون بأعلى مستوى شهادة أكثر من العاطلين بلا شهادة، ما يعكس مشكلة هيكلية في سوق العمل المغربي لا في التعليم وحده.
إن التعليم العالي المفتوح كان يُنظر إليه لدى كثير من الأسر كفرصة أكثر مرونة للالتحاق بالجامعة، خاصة للطلبة الذين لم يتمكنوا من الدخول إلى التعليم الحضوري التقليدي. لكن مع الوقت لا يزال كثير من هؤلاء الخريجين يواجهون صعوبة في تحويل شهاداتهم إلى وظائف مستقرة أو دخل مناسب، لأن المناهج في بعض الجامعات لا ترتبط بحاجيات الإنتاج والصناعة والخدمات الحديثة. هذا يعزز من مشكلة ما يعرف بـ “الزيادة التعليمية” أو “overeducation”، حيث يحصل الطالب على شهادة لكنه لا يجد وظيفة تلائم مؤهلاته.
تظهر الدراسات أيضًا أن أكثر من 70% من العاطلين في بعض الفترات كانوا من حملة الشهادات العليا، ما يعكس أن الشهادة نفسها لم تعد ضمانًا لفرصة العمل أو لتحسين الظروف المعيشية.
بالنظر إلى تركيبة سوق العمل المغربي، تبرز أيضا فجوة في التخصصات التي لا يجد لها سوق عمل حقيقي. فهناك تخصصات أكاديمية نظرية كثيرة تنتج خريجين عددهم يفوق الطلب على وظائف في تلك المجالات، بينما لا يزال هناك نقص واضح في التخصصات التقنية والمهنية والتدريب العملي الذي يتطلبه القطاع الخاص والقطاع الصناعي. هذه الفجوة تعني أن الكثير من الشباب يحمل شهادات لا تواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها سوق العمل.
ومع ذلك، يشير تحليل أعمق لوضعية البطالة في المغرب إلى أن معدلات البطالة بين الشباب (15‑24 سنة) أعلى بكثير من المتوسط العام، إذ تتجاوز 36‑39% في بعض التقديرات، بينما تتراوح البطالة بين الحاصلين على مؤهلات تعليمية عالية بين 19% تقريبًا. وتؤكد التقارير أن النساء خصوصًا يعانين من ارتفاع معدلات البطالة مقارنة بالرجال، وهو ما يضيف بُعدًا اجتماعيًا آخر لهذه الأزمة.
من هذا الواقع يتضح أن التعليم العالي المفتوح – رغم فوائده في التوسع الأكاديمي وإتاحة الفرص للعديد من الطلاب – لم يترافق مع بنية قوية لسوق العمل في المغرب. فعلى مستوى الاقتصاد الوطني، لا تزال فرص التشغيل غير كافية لامتصاص أعداد الخريجين، كما أن غياب التوجيه المهني السليم والتنسيق بين الجامعات واحتياجات السوق يزيد من حدة المشكلة، ما يولد إحباطًا ومخاوف لدى الشباب من مستقبل غير واضح.
يتطلب هذا الواقع مراجعة عميقة في سياسات التعليم والاستثمار والتشغيل، بحيث يتم ربط التعليم بمؤشرات الطلب الفعلي في سوق العمل، وتشجيع التخصصات التي تتمتع بآفاق تشغيل واضحة، وتعزيز التدريب المهني والتقني كجزء لا يتجزأ من منظومة التعليم العالي. كما تبرز الحاجة إلى إصلاحات هيكلية في الاقتصاد الوطني لتحفيز خلق وظائف حقيقية في القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وليس الاكتفاء بتوليد شهادات لا تجد لها فرصًا حقيقية على الأرض.
بهذا الشكل، يتحول التعليم العالي من مجرد شهادة في السيرة الذاتية إلى قوة عاملة منتجة ومؤهلة تلبي احتياجات الاقتصاد وتمكّن الشباب من الاندماج في سوق العمل بثقة واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *