من مدرسة تحميل الهزائم لمن حضر

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

قرأت مؤخرا مقالة سياسية من مدرسة تحميل الهزائم لمن حضر تحت عنوان “لقجع ارحل” والتي كان بالأحرى عنونتها :” ارحلوا أنتم عن المنطق؟”… والتي نشرها السي حميد المنوني ابن حيي “فاس الجديد”على صفحته ، فاردت الرد عليها من باب اثراء الناش والمشاركة ، وفي ما يلي نصها:
ــــ بعد خسارة نهائي كأس إفريقيا، لم يضيع بعض الزملاء وقتًا في تحليل اللعب، ولا في مساءلة الاختيارات التقنية، ولا حتى في الاعتراف بأن كرة القدم – يا للصدمة – قد تُخسر أحيانًا.
بل قفزوا مباشرة إلى الخلاصة الجاهزة:
الضرائب سببها لقجع، المستشفيات مسؤول عنها لقجع، التعليم يئن بسبب لقجع، والهزيمة… طبعًا من توقيع لقجع.
هكذا، وبجرة قلم، تحوّل نهائي كروي إلى جلسة محاسبة مالية، وتحول رئيس جامعة كرة القدم إلى وزير للصحة، ووزير للتعليم، ومندوب سامٍ للضرائب غير المباشرة، بل وكأنه هو من يحدد ثمن الطماطم وسعر قنينة الغاز.
الزميل مدير النشر – مشكورًا على غيرته – اكتشف بعد النهائي أن الملاعب بُنيت من جيوب الفقراء، وأن كل تمريرة خاطئة كانت ممولة من الضريبة على القيمة المضافة، وأن كل تسديدة ضائعة اقتُطعت مباشرة من ميزانية المستشفى العمومي.
لكن السؤال البسيط الذي غاب وسط هذا الانفعال الثوري المتأخر:
هل كانت هذه الملاعب تُبنى سرًا؟
هل كانت تنظيمات الكان والمونديال تُدبَّر في قبو مظلم دون علم الدولة؟
أم أن نفس الأقلام كانت إلى الأمس القريب تصفق لـ“الإشعاع القاري” و“القفزة التنظيمية” و“الاعتراف الدولي”؟
الأطرف في المقال، ليس الغضب، فالغضب مشروع، بل الانتقائية الأخلاقية:
فالهزيمة الكروية تصبح فجأة دليل فشل السياسات العمومية،
لكن الفوز – حين يقع – لا يُحتسب إنجازًا لنفس هذه السياسات!
ثم هذا الاكتشاف العبقري:
“الدول التي صنعت مجدها الكروي استثمرت أولًا في الإنسان”
جملة جميلة، تصلح لملصق تحفيزي… لكنها تُقال وكأن المغرب قرر الاستثمار في العشب وترك البشر في العراء، وكأن كرة القدم نبتت فجأة خارج أي تصور تنموي، أو خارج رهانات الدبلوماسية الرياضية والاقتصاد والسياحة والبنية التحتية.
أما الجمع بين المسؤولية الكروية والحضور في القرار المالي، فقد قُدِّم وكأنه بدعة شيطانية، لا يعرفها العالم، مع أن نفس النموذج موجود في دول تُدرَّس تجاربها في الحكامة، لكن يبدو أن المشكلة ليست في الجمع… بل في اسم من يجمع.
والأخطر في كل هذا، هو هذا المنطق الكسول الذي يطلب “الرحيل” بعد كل خسارة، كأننا في دوري عاطفي لا في دولة، وكأن تغيير الوجوه هو بديل عن التفكير، والتحليل، والاعتراف بأن كرة القدم ليست معادلة محاسباتية.
نعم، من حق الجميع مساءلة الأولويات، ومن واجب الصحافة طرح الأسئلة الصعبة،
لكن تحويل هزيمة رياضية إلى شماعة نعلّق عليها فشل كل السياسات،
ليس نقدًا… بل هروب أنيق من النقاش الحقيقي.
لذلك، قبل أن نصرخ: «لقجع ارحل»،
ربما الأجدر أن نقول بهدوء:
ارحلوا قليلًا عن الشعبوية، وعن تحويل الكرة إلى وزارة، والهزيمة إلى برنامج حكومي.
لأن الدول لا تُبنى بتصفية الحسابات بعد صافرة النهاية،
ولا تُدار بالعناوين الغاضبة…
بل بعقل بارد، وذاكرة غير انتقائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *