حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي
بعد الرزية الكبرى التي تكبّدها الشعب المغربي برحيل رائد الأغنية العربية الملتزمة، الفنان المقتدر عبد الهادي بلخياط، ها نحن اليوم نُفجَع من جديد، ونُصاب في خاصرة الذاكرة الفنية الأمازيغية، برحيل “الرايس ممبارك كوكو”واحد من كبار شعراء أحواش، وعمودٍ سامق من أعمدة فن الحوار الشعري المرتجل “أنعيبار”؛ الذين لا يُعوَّضون، ولا يُستنسخون، ولا يُملأ الفراغ الذي يخلّفونه بسهولة النسيان.
وإن كان رحيل عبد الهادي بلخياط قد مثّل خسارة موجعة للأغنية العربية الملتزمة، بما كانت تحمله من صدق أخلاقي ونقاء روحي ومسؤولية فنية، فإن رحيل الرايس مبارك كوكو يأتي ليُعمّق هذا الجرح، ويؤكّدًا أننا لا نفقد مجرد أسماء، بل نفقد ضمائر فنية نادرة. بلخياط، بصوته واختياراته، كان ضميرًا يغنّي للقيم والإنسان، وكوكو، بكلمته المرتجلة وحضوره في “أسايس”، كان ضميرًا يحرس الكلمة من الانحدار، ويُوازن بين الجرأة والحكمة.
ومهما اختلف المجال واللغة والأداة، فإن الجوهر يبقى واحدا: فنانان لم يساوما على المعنى، ولم يستسهلا الطريق، ولم يحوّلا الفن إلى زينة موسمية أو ضجيج عابر، بل جعلاه موقفًا أخلاقيًا وشهادةً على زمنهما. وبرحيلهما المتقارب، يبدو وكأن المغرب يودّع جيلًا كان يرى في الفن مسؤولية قبل أن يراه شهرة، وفي الكلمة أمانة قبل أن تكون سلعة.
ما جعل الأسى والحزن عميقين، عند تلقي خبر رحيل الرايس مبارك كوكو، حيث كان ثقيلاً كصمتٍ داهم “أسايس”، وموجعًا كبيتٍ شعري انكسر وزنه فجأة. برحيله، تفقد الساحة الفنية الأمازيغية قامة شعرية رفيعة، واسمًا وازنًا من الأسماء التي صنعت مجد أحواش، ومنحت لـ“أنعيبار” هيبته وعمقه وجمال مخاطره.
لم يكن مبارك كوكو شاعرًا عابرًا في قوافل الذاكرة، بل كان ثمرة زمن الكبار؛ زمن الجيل الذي شيّد صروح الكلمة المرتجلة، وأرسى قواعد المناظرة الشعرية بأخلاقها وحدّتها وذكائها: كمحماد بويحزماي، سي عمر، إحبيرو، بوالزيت، أوشن، عثمان أوبلعيد… ثم امتد عطاؤه ليجايل جيلًا مواليًا لا يقل قيمة ومكانة: أجماع، إحيا، أزوليض، بلحاج، عابد أوطاطا، بركداح، الغالي، بنواكريم وغيرهم. كان الراحل، في هذا الامتداد الزمني، جسرًا حيًا بين أزمنة الشعر؛ حافظًا للأصول، ومجدّدًا في الأسلوب دون تفريط في الروح.
تميّز الرايس مبارك كوكو بشدّة مراسه وقوة شكيمته في المناظرة الشعرية، وبعلوّ كعبه في الرد العفوي المفحم، وبنزعة تهكّمية ذكية تُشعل المحاورة ولا تُسقطها في الابتذال. كان يعرف كيف يُصيب المعنى من خاصرته، وكيف يُدير “أنعيبار” بعقل الفارس لا بضجيج السيف. لذلك ظل حضوره في “أسايس” حضورًا مُهابًا؛ يُصغي له الخصم قبل الصديق، وتُوزن كلماته قبل أن تُقال.
ولأن القيمة لا تضيع حين تجد من يعترف بها، فقد حظي الراحل في حياته بتكريم يليق بمقامه، رفقة الرايس لحسن أجماع، في شتنبر 2010 بـتالكجونت، بتنظيم من المجتمع المدني المحلي والمديرية الجهوية للثقافة، وبحضور وزير الثقافة آنذاك محمد الأشعري. كما كُرّم مرة أخرى بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بمناسبة اليوم العالمي للشعر في مارس 2018، في اعتراف مؤسساتي صريح بدوره في صون الذاكرة الشعرية الأمازيغية وإغنائها.
إن رحيل مبارك كوكو يترك فراغًا لا يُنكر في أحواش، وفي “أسايس”، وفي فن “أنعيبار” تحديدًا؛ فراغ القامات التي كانت تُوازن بين القوة واللباقة، وبين السخرية والعمق، وبين التراث ونبض الحياة. ومن هنا، فإن النداء موجّه إلى شباب منطقتي “أولوز” و“الفيض”، بل إلى كل الغيورين على هذا الفن العريق: أن يجمعوا أشعار الفقيد، ويدوّنوها، ويخرجوها من الذاكرة الشفوية إلى الحفظ المكتوب، حتى يبقى اسمه حيًا في وجدان الأجيال القادمة، كشاعر من كبار مشاهير أحواش، لا كذكرى عابرة في مواسم عابرة.
رحم الله الرايس مبارك كوكو رحمة واسعة، وجعل مثواه الجنة، وجزاه عن الكلمة الجميلة، وعن “أسايس” و“أنعيبار”، خير الجزاء.
تعازينا الحارة والصادقة إلى عائلة الراحل الكبير، وإلى أصدقائه ومحبيه، وإلى كل جمهور فن أحواش في مختلف ربوع المغرب.
إنها والله لخسارة للكلمة ، لكنها أيضًا مسؤولية علينا جميعًا، كي لا يموت معها ما صنعته.