إلى صديقي وأخي عبد الإله حفري،با محمد،

حميد طولست

 

لم أقرأ ردّك، بل سكنني ، قرأته كما تُقرأ المرايا القديمة: ببطء، وبخشوع، وبذلك الوجع الجميل الذي لا يؤلم، بل يوقظ.
قرأته فوجدتني أعود، دون استئذان، إلى تلك البدايات الأولى، حيث لم نكن نملك سوى أحلاما أكبر من جيوبنا، وكلمات نؤمن بأنها تستطيع أن تغيّر العالم، أو على الأقل أن تقول الحقيقة في وجهه.
أما المشور – فاس الحديد ، حيث تشكّلت صداقتنا دون إعلان، وتربّت أرواحنا على الصبر، وعلى الانحياز للإنسان، وعلى حب الحياة حتى وهي تمتحننا بقسوتها.
لم يكن ذلك “المشور”حيًّا فقط، كان درسًا ، هناك تعلّمنا منه أن للأزقة ذاكرة، وللصحبة معنى لا يشيخ، وللكلمة ثمن لا يُدفع إلا مرة واحدة: إما أن تدفعه بكرامة، أو تعيش عمرك مدينًا للصمت.
أما ما ما كتبته يا صديقي ،لم يكن ردًّا، بل استدعاءً نبيلاً لتاريخ مشترك، ولزمن كان فيه الموقف أثقل من الجسد، وكانت الكلمة تُنتزع انتزاعًا، لا تُمنح ، زمن النضال النقابي في ثمانينيات النار واليقين، حين كنّا نعرف، دون تنظير، أن الكرامة لا تقبل القسمة ، وأن القلم إن لم يكن حرًّا، فهو عبء، وأن وأن وأن…
وأنت ابن تلك المدرسة، نعم مدرسة القيام بعد العثرة، والابتسام في حضرة الألم، لا استخفافًا به، بل انتصارًا عليه. وإن كانت الحياة قد اختبرتك اليوم، فهي لم تفعل سوى ما اعتادت: امتحان المعدن الأصيل ، وها أنت، كما كنت دائمًا، تجيبها بالوفاء للكلمة، وبالإيمان بأن الصدق، مهما طال الطريق، هو أقصر المسافات إلى القلوب.
اطمئن، يا صديقي…القلم الذي أعرفه فيك لم يخذل يومًا. و“قلم الوطن.m”، ما دام ينبض بروحك، سيظل فضاءً للحقيقة، وللأسئلة غير المروّضة، وللمواقف التي لا تطلب التصفيق، بل تبحث عن المعنى، في زمن الضجيج، وهذا شكل نادر من الشجاعة.
شكرًا لك، لا لأنك شكرتني، بل لأنك ذكّرتني ، ذكّرتني بأن الذاكرة المشتركة لا يصدأ معدنها، وبأن بعض الصداقات لا تحتاج إلى مناسبة لتُعلن، ولا إلى تبرير لتستمر. وبأن الضحك الذي ينتظرنا، يعرف جيدًا من أين جاء… وإلى أين يريد أن يصل.
نعم، هذه المرحلة ستمر ، وسنعود، كما كنّا دائمًا: إلى العمل، إلى الأحلام المؤجلة، إلى الكلمة حين تكون فعل كرامة، وإلى الحياة حين نختارها رغم كل شيء.
محبتي واعتزازي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *