حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات المناخية، وتتعاظم فيه الأسئلة حول معنى الفعل الجمعوي وجدواه، تبرز الحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة فلسفة العطاء الإنساني في أنقى صورها، تلك التي تشبّعنا بها منذ مقاعد الدراسة الأولى، حين لقّنونا الحكمة الخالدة:”غرسوا فأكلنا، ونغرس فيأكلون” الحكمة البسيطة في لفظها، اعميقة في معناها، المختصر لجوهر المسؤولية بين الأجيال، والمؤسس لثقافة العطاء الذي لا ينتظر مقابلاً.
إن ما شهده المغرب مؤخرًا من تساقطات مطرية غزيرة ليس مجرد معطى مناخي عابر، بل هبة ربانية تستوجب الوعي بحجمها، والاستثمار الفوري في دلالتها ، فالتربة اليوم مشبعة بالمياه، مهيأة للاحتضان، مستعدة للعطاء، وهو ما يجعل هذه اللحظة فرصة ذهبية نادرة لإنخراط الجمعيات المدنية في حملة وطنية كبرى للتشجير، تكون منطلقًا لعمل جمعوي تطوعي صادق، فعّال، ومؤسس على رؤية بعيدة المدى.
إن توجيه الجهود نحو غرس أشجار الأصالة والقيمة الاقتصادية والبيئية، من كل الأنواع، خصوصًا بالمناطق المتضررة من الفيضانات والتعرية، ليس ترفًا بيئيًا ولا شعارًا موسميًا، بل خيار استراتيجي ذكي ونبيل. فهذه الأشجار تشكل، مع الزمن، سدًّا أخضر طبيعيًا، يحوّل مياه الوديان من فيضانات مدمّرة إلى طاقة حيوية مختزنة، تحفظ التربة، وتغذي الفرشة المائية، وتضمن الأمن الغذائي، وتخلق توازنًا بيئيًا مستدامًا.
ولأن نسبة نجاح الغرس تبلغ ذروتها في هذه الظروف الاستثنائية، فإننا، من هذا المنطلق، أوجّه نداءً صادقًا ومسؤولًا إلى الجهات الوصية، والجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية، من أجل تبنّي هذه المبادرة الوطنية، عبر توفير الشتلات، ووضع إطار تنظيمي واضح ينسّق جهود جمعيات المجتمع المدني الراغبة في التطوع، ويوحّد الرؤية، ويحوّل النوايا الحسنة إلى أثر ملموس على الأرض.
إن العمل الجمعوي الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور ولا ببلاغة الشعارات، بل بقدرته على تحويل اللحظات الحرجة إلى فرص تاريخية. واليوم، أمام نعمة المطر، وأمام تحديات التغير المناخي، نحن مدعوون لأن نبرهن، بالفعل لا بالقول، أننا شعب يجيد تحويل المحن إلى منح، والتحديات إلى غابات تنبض بالحياة، تمنحنا الأوكسجين، وتحفظ كرامة الأرض، وتصون حق الأجيال القادمة في وطن أخضر وآمن.
فلتكن هذه المبادرة ميثاقًا أخلاقيًا وجمعويًا، نؤكد من خلاله أن كل قطرة مطر أمانة في أعناقنا، وأن غرس شجرة اليوم هو وعد بالحياة غدًا، وبأن مغرب المستقبل يُبنى… جذرًا فجذرًا، وغرسًا فغرسًا.