خاطرة من وحي الفضانات: • الوطن لا يختفي في الكوارث، ويختفي من يعتقدون أنه مظلة تستأجر

• حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

• في المناطق المنكوبة، حين ينزل المطر دون تنسيق مع برامج المهرجانات، وحين تتحول الطرقات إلى أنهار بلا رعاة إعلانات، يقع حدث جلل لا تتحدث عنه نشرات الطقس: ويختفي المشاهير اختفاء غامضا لا تفسير علمي له، ولا علاقة له طبعًا بالخوف أو البلل أو الوحل.
يختفون كما تختفي الهلال أمام نور النهار، وكما تختفي الوطنية حين لا تكون هناك منصة.
• يختفي الوطنيون الموسميون، أولئك الذين لا يظهرون إلا في فصل الصيف، حيث الشمس مثالية للصور، وحيث العلم يُلف حول العنق لا حول الجراح.
• يختفي نجوم الكرة والغناء والتمثيل وصناعة الفرجة، لأن السيول – ويا للمفارقة – لا تملك جمهورًا ولا تذاكر VIP.
• تغيب الوجوه التي كانت تملأ الشاشات صيفًا، وتتبخر الأصوات التي كانت تقسم بحب الوطن على إيقاع الموسيقى.
• تغيب الرؤوس التي كانت تتقن الوقوف طويلا أمام الكاميرات، كلما تبللت الكاميرات ، ولطخ الطين زوايا التصوير.
• في الكوارث، يحدث خلل خطير في نظام الوطنية: لا معنى للأغاني في الفيضانات، ولا جدوى من التصريحات في الثلوج، ولا ينفع للتمثيل في الزلازل وفي السيول، ولا مجال للبهرجة حين تكون النار حقيقية وليست مؤثرًا بصريًا.
• هنا، لا يصلح الوطن كـ“بوست” ، ولا يمكن اختصاره في صورة مع علم، ولا في هاشتاغ عاجل، ولا في دمعة محسوبة بعد مونتاج.
• الوطن، للأسف، يصبح ثقيلًا ، حجرًا يجب حمله، وطفلًا يجب تدفئته ، ويدًا يجب الإمساك بها دون انتظار عدسة.
• وحين يجف الضرع، وتُغلق الخزائن، وتتوقف الدعوات، ويتعطل اقتصاد الريع، تتعطل الوطنية الاستعراضية تلقائيًا، كأنها تطبيق يحتاج تحديثًا لا يتوفر في مناطق منكوبة.
• في هذا المشهد، تظهر فجأة شخصيات لا يعرفها أحد: رجال بلا متابعين، ونساء بلا حسابات موثقة، أشخاص لا ينتظرون تصفيقًا لأن أيديهم مشغولة بالحفر والإنقاذ.
• لا يعرفون كيف يقفون أمام الكاميرا، لكنهم يعرفون كيف يقفون أمام بيت مهدوم.
• وهنا، تقع الصدمة الكبرى: تنهار الأساطير التي صنعها الإعلام، وتسقط الأقنعة دون بيان توضيحي، وتكتشف أن بعض “الرموز” كانت مجرد ديكور موسمي.
• الكارثة لا تفضح فقط من غاب، بل تفضح ترتيب القيم: حين كانت الشهرة أعلى من الخدمة، والصورة أهم من الفعل، والانتماء مجرد أداء مسرحي قابل للتأجيل.
• الوطن، في النهاية، ليس شعارًا يُرفع حين تكون الأرض جافة، ولا أغنية تُشغَّل حين يكون الجمهور حاضرًا.
• الوطن امتحان مفاجئ بلا إعلان مسبق، ومن رسب فيه لا يعوضه منشور اعتذاري.
• وحين تهدأ المياه، وحين يجف الوحل، وحين تعود الكاميرات إلى العمل، يبقى السؤال معلقًا في الهواء الثقيل: من كان هنا فعلًا؟
من حمل الحجر؟ من ابتلّ دون أن يلتقط صورة؟ من بكى مع الناس… لا أمام الناس؟
• في الكوارث، لا يختفي الوطن ، الذي يختفي فقط هم أولئك الذين كانوا يعتقدون أن الوطن مظلة تستأجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *