مشروع قانون المحاماة 66.23 بين الملاءمة ومظاهر التحكم .

 

ذ/عبد المومــن الصويـت

محام بهيئة المحامين بالقنيطرة.

 

أثار مشروع قانون المحاماة 66.23 الذي قدمه وزير العدل وصادق عليه المجلس الحكومي بتاريخ 8/1/2026 ولا زال والى غاية كتابة هاته السطور موجة هائلة من الخلاف بين جمعية هيآت المحامين ووزارة العدل التي تشبثت بالمشروع وعدم سحبه أو على الأقل إدخال المقترحات الجدية لقطاع المحاماة  عليه ، وها نحن لا زلنا في خضم هذا النقاش ، حيث تم تعطيل العدالة ببلادنا بمناسبة توقف المحامين الشامل عن تقديم خدماتهم للأسبوع الثالث على التوالي توج بوقفة احتجاجية أمام البرلمان بتاريخ 6/2/2026 بسبب عدم إشراكهم في صياغة بنود  هذا القانون

فالعدالة بما هي فضيلة المؤسسات كما وصفها جون رولز في كتابه نظرية في العدالة تعيش أحلك أيامها بالمغرب ، لأن أحد جناحيها وهو المحاماة يتعرض للتقليم من خلال محاولة الضيط والتمكين والتحكم الذي تتشبث به السلطة الحكومية المكلفة بالعدل من خلال مشروع القانون ، وهو ما تأباه طبيعتها المهنية ، لأن جوهر المحاماة الحرية والإستقلالية والحصانة ، مشروع يدفع بالمحاماة ببلدنا الى العتمة والمجهول بدل أفق مهني مشرق ، كيف دلك ؟

الجواب يدفعنا الى طرح العديد من التساؤلات  تنصب جلها حول مدى ملاءمة هذا القانون مع القانون الدولي والكتلة الدستورية ؟ ثم بيان مظاهر التحكم ونطاقه ومستوياته ؟ وأخيرا هل نحن في حاجة الى هدا الزيغ التشريعي الذي يحيد عن المعايير الكونية الناظمة لمهنة المحاماة ؟

مناقشة الموضوع من جوانبه تقتضي منا الوقوف على المحاور التالية :

المعايير الكونية المهنية ثــم مظاهر التحكم  و أبعاد الإنحراف  التشريعي .

أولا : المعايير الكونية المهنية .

بالنظر الى المسار الحقوقي الدي شهده المغرب فقد اهتدى الى تدبيج وثيقته الدستورية لسنة 2011 – الذي اعتبر بحق دستور الحقوق والحريات – بمبادئ غاية في الأهمية حيث أكد على  “تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا ، وجعل الإتفاقيات الدولية كما صادق عليه وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة “، تصدير اعتبر من طرف الفقه الدستوري جزء الا يتجزأ من الدستور ومواده .

المحاماة وبالنظر الى الدور المحوري الذي تقوم به لتكريس الحقوق والحريات وضمان فعليتها بل وتشكل أحد ضمانات المحاكمة المنصفة التي تروم الإنصاف أكثر ما تبتغي التطبيق الحرفي والجاف للنص القانوني ، شملتها الكتلة الدستورية 2011 التي استلهمت قواعدها من مختلف المبادئ الكونية لضمان محاماة حرة مستقلة وذات حصانة .

فعلى المستوى الكونــــي .

تعد مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن دور المحامين والتي أقرها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة بهافانا بتاريخ 27/08/1990 ركيزة أساسية تلزم الدول بضمان استقلال المحامين وحظر التدخل في عملهم وضمان حمايتهم وتوفير محاكمات عادلة ونزيهة بعيدا عن أي ضغوط أو تهديدات من أجل حماية سيادة القانون وحقوق الإنسان ، ومن هاته المبادئ :

-الحق في التمثيل حيث يحق لكل شخص طلب مساعدة محام لحماية حقوقه .

-الحق في الحماية المهنية وهو واجب على حكومات الدول من أجل ضمان تمكين المحامين من أداء مهامهم دون تدخل وعدم تعريضهم للملاحقة بمناسبة عملهم .

-الحق في السرية المهنية ومنع كل تدخل من قبل الحكومات للمس بهاته السرية .

مبادئ أقرتها الأمم المتحدة بعد رصدها وتوثيقها لجملة من الإعتداءات التي طالت عمل المحامين عبر العالم ، لذلك قررت لجنة حقوق الإنسان تعيين مقرر خاص معني باستقلال القضاة والمحامين بموجب قرارها عدد 41/1994 ، ممند يونيو 2008خضعت ولاية المقررين الخاصين المعنيين باستقلال القضاة والمحامين لآلية الإستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان بجنيف ، حيث انخرط المغرب في هاته الآلية الأممية ومند ولادتها .

في الإطار ذاته اعتمد المجلس الدستوري الفرنسي قواعد مهمة لضمان الممارسة الفضلى للمحاماة حيث منع المشرع ولو باسم المصلحة العامة المساس بضمانات حقوق الدفاع معتبرا أي تدخل تشريعي من  شأنه إفراغ مبدأ استقلال مهنة المحاماة وحصانتها من مضمونه .

كما أكد إعلان أثينا المنبثق عن اللجنة الدولية للحقوقيين حول سيادة القانون لعام 1995 على استقلال مهنة المحاماة وتحصينها من التدخل من أجل ضمان سيادة القانون ، وهو ما وطده أيضا الإعلال العالمي لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة لسنة 1982 حينما نص على استقلال السلطة القضائية والمحامين ، في حين أرسى الإتحاد الدولي للمحامين جملة من القواعد لضمان استقلال وحصانة الدفاع خاصة بعد مصادقته على اتفاقية محاميي العالم الموقعة بباريس بتاريخ 6/12/2008 منها ” أن الإستقلالية وحرية ضمان الدفاع والإستشارة من أولى المبادئ التي تنبني عليها المحاماة ” ، وفي مؤتمره 62 المنعقد بمدينة بورتو البرتغالية بتاريخ 30/10/2018 وضع وثيقة المبادئ الأساسية للمحاماة حيث نصت مادتها الأولى على : ” أنه لضمان القيام بمهام الدفاع والإستشارة وجب أن يكون المحامي مستقلا استقلالا مهنيا وفكريا سواء اتجاه القضاة أو السلطات العمومية أو القوى الاقتصادية أو اتجاه زملائه أو حتى موكليه ” .

إنها منظومة قانونية كونية  متكاملة تؤسس للحق في الدفاع ، مستقاة جميعها من المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 14 من العهد الأول المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية حيث أجمعت على ضرورة حق الدفاع وضمان استقلاليته وحصانته .

على المستوى الوطنـــي .

استلهم دستور 2011 مقتضياته الناظمة  لمهام الدفاع من هاته المنظومة الكونية ، حيث نجده ينص في فصله 118  على أن ”  حق التقاضي مضمون ،   لكل شخص  الدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون ”  ، كما نص الفصل 120 منه على أن ” حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم ” ، لتكون بذلك الوثيقة الدستورية ضمنت حق الدفاع بشكل يوحي أن الغاية هي دسترة مهنة المحاماة  من خلال دسترة وظائف الدفاع لأنها من ضمانات المحاكمة العادلة في تساوق تام مع المنظومة الكونية التي ضمنت حق الدفاع وأرست قواعد الممارسة المهنية باستقلال تام عن كل تدخل من شأنه تضييق هاته الممارسة .

فــي الآن ذاته  ، تم تنزيل المبادئ أعلاه في مختلف النصوص القانونية المؤطرة للمحاكمة ، لاحظ مثلا الفصل الأول من قانون المسطرة الجنائية  الجديد    نجده ينص على: أن  ” كل الأشخاص متساوون أمام القانون ويحاكمون في أجل معقول من قبل محكمة مشكلة طبقا للقانون ، توفر للأطراف ضمانات المحاكمة العادلة ، وتكفل في كل مراحلها حقوق الدفاع “. ليبقى التساؤل مفتوحا حول مشروع قانون المحاماة 66.23 مثار الخلاف هل لاءمت مقتضياته الوثيقة الدستورية والمعايير الكونية أم جاءت لتدجين قطاع المحاماة والتحكم فيه ، وهو ما سينقلنا الى المحور الثاني من هذا المقال .

ثانيا : مظاهر التحكم ومستوياته .

مظاهر التحكم في مشروع قانون المحاماة لامست مستويين هما مستوى الحصانة ومستوى الإستقلالية ،  مستويان يشكلان جوهر رسالة المحاماة وقوامها لأنها مبادئ كونية واجبة الإحترام والمراعاة :

على مستوى الحصانة .

يجسد مبدأ حصانة الدفاع أحد أبرز المبادئ الكونية المرتبطة بحق الدفاع ، الا أنه وفي ظل احتدام النقاش العمومي بين جمعية هيآت المحامين ممثلة برئيسها السيد  الحسين الزياني والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل ممثلة في الوزير عبد اللطيف وهبي  وما رافق ذلك من تداول إعلامي ،أسيء فهم هذا المبدأ الكوني  ووضع خارج سياقه القانوني والدستوري ، حيث تم اختزاله في ” الحصانة الذاتية للمحامي ” التي تعفي من المساءلة والمحاسبة وكأن المحامي فوق القانون .

الحال غير ما ذكر ، لأن هذا الطرح يروم عن قصد وبتحامل خلط ما يسمى  ” الحصانة الوظيفية ” اللازمة لممارسة حق الدفاع   و ” الحصانة الذاتية للمحامي ” التي لا سند لها في دولة المؤسسات مادام أن المحامي كباقي أفراد المجتمع يساءل جنائيا وتأديبيا متى ارتكب فعلا اجراميا أو أخل بواجباته المهنية ، لكن هاته المساءلة لا تتغيا تجريده من حصانته وضرورة تحصينه بضمانات أدائه لوظيفته وهي الدفاع كحق كوني دستوري ، عبر تمكينه من إبداء دفوعه وبسط مرافعاته وانتقاداته لقرارات السلطة القضائية رآسة ونيابة داخل الجلسة بحرية وتجرد ومسؤولية دون خوف من المتابعة والملاحقة أو أي شكل من أشكال الضغط والتحكم ، حصانة منتهاها حماية وظيفة الدفاع من حيث كونه ركنا أساسيا من أركان العدالة .

من زاوية ثانية فالعدالة ككـــل ، والعدالة الجنائية على وجه الخصوص لا تقوم على طرف واحد بل ثلاث أطراف : سلطة  الحكم ويمارسها القاضي – سلطة الاتهام  وتمثلها النيابة العامة – وسلطة الدفاع  ويجسدها المحامي ، في توازن دقيق بين مكوناتها أثناء المحاكمة ، وأن أي إخلال بهذا التوازن أو ذاك من شأنه المساس بقواعد المحاكمة خاصة مبدأ المساواة أمام القانون وأمام القضاء المنصوص عليهما دستوريا وقانونيا والمؤطرين دوليا .

على هذا الأساس يكتسي مبدأ ” تكافؤ الأسلحة ” كأحد مقومات المحاكمة العادلة أساسه  المساواة أمام القانون والقضاء أهمية بالغة دأبت اجتهادات القضاء الدولي والوطني  على حمايته خاصة قرار المجلس الدستوري  سابقا [ المحكمة الدستورية حاليا ] في قراره عدد 921 بتاريخ 13/08/2013 حيث أكد على مركزية التوازن بين سلطتي “الدفاع والإتهام “.

بالرجوع الى القانون رقم 66.23 في صيغته التي أحيل بها على المجلس الحكومي نجده قد كرس هدذ الإختلال البنيوي في الفقرة الرابعة من المادة 77 من الباب الخامس المعنون بحصانة الدفاع حيث نص على أن : ” المحكمة تحرر محضرا مستقلا بما قد يحدث من إخلال …” دون تحديد طبيعة ونطاق هذا الإخلال ؟  حيث الملاحظ أنه حتى في سنوات الجمر والرصاص ضمن قانون المحاماة لعام 1993 حصانة للمحامي ما لم يصدر عنه سب أو قذف ، الآن وقد أضحى المغرب دولة الحق والقانون بل ودولة للمؤسسات يحاصر المحامي في دفاعه ويمس في حصانته متى صدرت منه أقوال أو أفعال ؟ غموض تشريعي يكشف اختلالا بنيويا وهاجسا عميقا لدى المشرع من أجل التحكم في مهام الدفاع وتدجينها ، غموض يمس الأمن المهني للمحامي وضرورة الوضوح التشريعي اللازم للنصوص القانونية ، ما يجعل مختلف الضمانات المقررة للدفاع حصانة شكلية مطاطة قابلة للتضييق أو التوسع من طرف سلطة الاتهام أو القضاء متى ضاق صدرها .

على مستوى الإستقلالية .

من ضمانات المحاكمة العادلة نجد الحق في الدفاع والذي هو بحق كما يقال ” أب المبادئ ” لأن الغاية من المحاكمة هو إفساح المجال للمتهم من أجل دفع التهمة عليه ، فحقوق الدفاع مكفولة بموجب الدستور والقانون ، السؤال هو لمن شرعت حقوق الدفاع هاته ؟ هل حقوق الدفاع للمتهم أم انها شرعت للمتقاضي المتهم  ؟  لكن الآلية التي يمارس بها حقه في الدفاع هي المحاماة ، والمحاماة حتى تضطلع  بدورها ينبغي أ ن تكون قوية ، ولضمان القوة يجب أن تراعى عدة مبادئ فرعية منها ضمان استقلال المحامي.

استقلاله عن السلطة التنفيذية والسلطة القضائية إلا في حدود ما تفرضه الممارسة المهنية ، لذلك فالمتهم لا يريد بجانبه للدفاع عنه محام ضعيف -خانع -تابع -متحكم فيه ، بل محام قوي يدافع عن مصالحه بالطريقة المسؤولة الصحيحة والنافعة للعدالة .

السؤال ما هي مظاهر المس بهاته الاستقلالية ؟

بالرجوع إلى مشروع القانون مثار الخلاف ، الملاحظ من خلال بنوده أن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل أرادت أن تصبح فاعلا في مهنة المحاماة، ففي القانون الحالي رقم 28 .08 نجدها حاضرة في ثلاث مواد فقط وفي اختصاصات محدودة لا تمس بجوهر المهنة تتعلق بالإشراف على الإمتحان – تبليغ الجدول للوزارة والإطلاع علية – ثم الإذن للمحامي الأجنبي بممارسة المهنة داخل المغرب ، وهي حلالات محصورة ومحدودة جدا ، الآن وفي ظل مشروع القانون رقم 66.23 مثار الخلاف نجد وزارة العدل حاضرة في 19 مادة ، والإختصاصات من 3 في القانون الحالي إلى 23 في المشروع بداية من التمرين وتمديده وإشعار وزارة العدل ـ    واجب الإنخراط -التقييد في الجدول – أي تغيير يطرأ على وضعية المحامي يجب أن يبلغ للوزارة-  تفتيش المكاتب – التأديب في القانون الحالي على النقيب البث في أجل 6 أشهر ، حاليا في المشروع شهر واحد أين هي حقوق الدفاع ؟ في حين أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية حدد أجل التأديب للقضاة في 5 أشهر قابلة للتمديد خمسة أشهر أخرى ؟ حالات كثيرة يطول الحديث عنها غايتها جعل وزارة العدل المتحكم الفعلي في مهنة حرة تأبى طبيعتها هذا التحكم .

ثالثا: الإنحراف التشريعـــي .

السؤال : ما الغاية من إقرار هذا التشريع أو بعبارة أخرى ما الضرورة المجتمعية التي جعلت الوزارة تراجع التشريع القائم وتمنح نفسها التدخل في قانون مهني صرف ؟ هل القانون الحالي لم يؤد وظائفه ولا يستجيب للمعايير الدولية ؟

منذ دستور 2011 هناك القانون التنظيمي  رقم 13.065  المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها الذي ينص في المادة 19 منه على   ” دراسة الأثر ” مفاده أنه حين إقرار قانون ما ، ماذا يمكن أن يقع بالبلاد ؟ إذا كان إيجابيا يتم العمل على إخراجه ، وإذا كان العكس يتم التراجع عن ذلك ، وزارة العدل في مشروع قانون المحاماة أكيد أنها لم تقم بدراسة الأثر – كان يجب إعداد دراسة وتقديم تقريرحول  المهنة والحصانة والإستقلالية وهل تتبع للوزارة أم لا وأبعاد القانون وفلسفته ومراميه وما يمكن أن يحدث ، وهو ما لم تقم به وزارة العدل ، فدراسة الأثر لم يقرها المشرع عبثا إنما غايتها ضمان جودة التشريع واحترام مبادئ الحكامة التشريعية حتى تتوافق ومبدأ الديمقراطية التشاركية كمبدأ دستوري ، والإحاطة بكافة التداعيات المحتملة للنص القانوني وانعكاساته على الوضعية القانونية والمهنية للمحامي والتوازن العام على منظومة العدالة ككل .

دليلنا في ذلك  المذكرة التقديمية للمشروع ، حيث نجدها تتحدث عن ” النجاعة والتخليق “ وكأن المحامون جميعهم مذنبون فاسدون وجب تأديبهم ، وهو الطرح الذي رافقه كثير من اللغط من طرف وزير العدل على ضرورة سحب الودائع من المهنيين وأن القانون قانون الدولة ولا أحد فوق الدولة ووو .

لكن الواقع خلاف ذلك ، سندنا الإحصائيات الرسمية لرآسة النيابة العامة ، ففي التقرير السنوي لسنة 2023 وهو تقرير رسمي مسؤول أشار الى أن المسطرة التأديبية التي باشرها النقباء ومحاكم الإستئناف في غرف المشورة طالت 118 محام بالمغرب من أصل 15868 محامي أي بنسبة 0.74 في المئة وهي نسبة ضعيفة جدا لا تستوجب التوجه لفرض سيطرة الوزارة على القطاع بهذا الشكل ،لأن نسبة 99 في المئة منهم في وضعية سليمة ،  كذلك في التقرير السنوي لسنة 2024  توصلت الى أن عدد المقررات التأديبية بلغت 269 مقرر أي بنسبة 1.5 في المئة وهي أيضا نسبة ضعيفة لا داع لتغيير القانون والتذرع بالنجاعة بل وعلى الوزارة أن تستحيي من مجال التخليق في قطاع المحاماة .

من جهة أخرى وعلى مستوى محاربة الفساد يمكننا أن نقف على مجموعة من المعطيات التي تؤكد أن وزارة العدل بهذا القانون لا تحارب الفساد المهني بل تشجعه وتمأسسه ، كيف ؟

مثلا رد الإعتبار كمفهوم قانوني غايته مرور مدة كافية لتحقيق الردع الخاص والعام ، في القانون الحالي 28.08 المحامي الذي طالته عقوبة الإنذار أو التوبيخ لا يمكنه تقديم طلب رد الإعتبار الا بمرور 3 سنوات شأنه في ذلك شأن النظام الأساسي للقضاة ، المشروع الآن خفض المدة الى سنة فقط فهل بهكذا تشريع نحصن المهنة من الفساد ؟ لا ثم لا .

عقوبة التوقيف أيضا لمدة سنة في القانون الحالي لا يمكن رد الإعتبار بخصوصها الا بمرور 5 سنوات لكن المشروع الحالي جعلها 3 سنوات فقط ، وإذا كان الإيقاف لمدة أكثر من سنة لإرتكاب المحامي أفعالا خطيرة لا يمكنه رد الإعتبار في القانون الحالي الا بعد مرور مدة 10 سنوات في حين أن المشروع الحالي مثار الخلاف جعلها 4 سنوات لاغير حيث أزال 6 سنوات هكذا وكأن الأفعال المرتكبة لا تتناسب والعقوبة الصادرة ، فهل بهكذا تشريع نساهم في التخليق ونحقق النجاعة ؟ .

مرة أخرى نقف مع سقطة المشروع ، لاحظ مثلا في محاربة السمسرة لفائدة محام ، القانون الحالي حدد العقوبة من 2 سنوات الى 4 سنوات و الغرامة بين 20000 درهم و40000 درهم لكن المشروع خفض العقوبة  وجعلها بين 3 أشهر وسنة أو الغرامة ، فالمشروع خفض العقوبة وجعل الإختيار بينها وبين الغرامة في تساهل تام مع مرتكب الفعل بتعويض حرف  و بــــ  أو .لماذا هذا التساهل ؟ ما غايته ؟

في انتحال صفة محام ، القانون الحالي حصر العقوبة بين سنة و 2 سنوات  و الغرامة بين 20000 درهم و40000 درهم ، مشروع القانون خفض هاته العقوبة وحصرها بين 3 أشهر وسنة أو الغرامة بين 10000 درهم 20000 درهم ، لماذا هذا التخفيض وتلك الإختيارية بين العقوبة والغرامة ؟ هل بهكذا قانون نساهم في التخليق ؟ لا أعتقد ذلك بل هناك رغبة جامحة لدى وزير العدل في التخفيف من العقوبة وأن غايته كانت دغدغة المشاعر ليس إلاوجعل قطاع المحاماة ككل تحت إشراف وزارة العدل في مساس خطير باستقلالية وحصانة المحامي .

مشروع القانون هذا والذي يعاني أعطابا خطيرة صيغ بمسطرة معيبة وأكيد تكلفته الحقوقية ستكون خطيرة على المغرب حال تمريره ، ففي تقرير المؤتمر الدولي لسيادة القانون لعام 2025 صنف المغرب في المرتبة 91 من أصل 141 دولة وهو مؤشر يعتمد ثمان عوامل لتصنيف الدول منها مبدأ سيادة القانون واستقلال العدالة ، أكيد بهكذا قانون سيتقهقر المغرب الى رتب لاحقة في المنتظم الدولي ، بل قد يعرضه للمساءلة الدولية من طرف المقرر الأممي الخاص بشؤون العدالة  واستقلال المحاماة والقضاة ، وهو الأمر الذي يتحاشاه المغرب كدولة صاعدة متفاعلة في المجال الحقوقي .

لذلك كانت فطنة الحكومة في شخص رئيسها السيد عزيز أخنوش فاهتدى الى سحب هذا المشروع المعيب المخالف للمنظومة القانونية الدولية والوطنية من وزير العدل عبد اللطيف وهبي وتم تشكيل لجان بين الحكومة والسيد رئيس جمعية هيآت المحامين بالمغرب بتاريخ 12/2/2026 من أجل الحوار والنقاش ومدارسة بنود هذا المشروع مثار الخلاف بما يحفظ استقلالية وحصانة مهنة المحاماة تكريسا لمبدأ الديمقراطية التشاركية التي كرسها دستور 2011 والتي غيبها – عمدا –  وزير العدل  وهو ما استطابه السادة المحامون ورفعوا توقفهم مستعدين للعودة للعمل ابتداءا من 16/02/2026 .

تأسيسا على كل ماسبق ، يصح القول أن استقلالية وحصانة المحامي ليست مطلبا فئويا كما صوره وزير العدل ولا امتيازا خاصا به ، بل هما ضمانة كونية ، دستورية  وقانونية للمحاكمة العادلة ، تأبى أن يتحول المحامي الى موظف حـــر خاضع في ممارسته  المهنية الى رقابة السلطة المكلفة بالعدل ورآسة النيابة العامة ، لأن ذلك يساهم بشكل أو بآخر في إضعافه ما يؤثر بالنتيجة على العدالة التي تقاس بمدى صونها لحقوق أضعف أطرافها ، لذلك فأي تشريع من شأنه المساس بهكذا توازن هو في العمق مساس يالعدالة التي تقوم عليها دولة الحق والقانون .

انتهى .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *