من وحي الفيضانات.

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي

حين يتحوّل الإجلاء إلى “تهجير” ويصير الإنقاذ مؤامرة!
في بلادٍ إذا نزل المطر شكرنا الله، وإذا فاض الوادي خرجت علينا “مدرسة صحفية جديدة” تدرّس في مادة التشكيك التطبيقي، وتمنح شواهد في قلب المفاهيم، وتُتقن فن تحويل النجاة إلى جريمة، والإجلاء الوقائي إلى “تهجير قسري”.
ففي الوقت الذي كانت فيه السلطات المغربية تُخلي مدينة القصر الكبير ونواحيها حمايةً للأرواح، وتسبق الكارثة بخطوة، خرج علينا أحد “الزملاء” – حفظه الله من المنطق – ليعلن، بنبرة من اكتشف المؤامرة الكونية، أن ما جرى ليس إجلاءً… بل تهجير! نعم، تهجير! كأن الجرافات كانت تُخرج الناس من بيوتهم إلى المجهول، لا إلى مراكز إيواء دافئة، مجهّزة، ومحروسة، معزَّزة بالبطاطين والشاي الساخن والدعم الطبي.
ولأن التهجير – كما تعلمنا في القانون وفي كتب التاريخ – هو نقل قسري غير قانوني ودائم، فقد افترض “الخبير” أن سكان القصر الكبير لن يعودوا أبداً، وأن منازلهم ستُمنح – لا قدّر الله – لكائنات غامضة، تُستدعى عادةً في الخيال المريض كلما ضاقت الحجة: “الإسرائيليون”!
هكذا، وبجرة قلم، تحوّل الوادي إلى حاخام، والمطر إلى مخطط استخباراتي.

أخبروا عني هؤلاء المشككين، أن المشكلة ليست في فيضان مياه الخير، بل في فيضان التخمين ، وأن سكان القصر الكبير خرجوا كما يخرج الأحرار: بكرامة، وعادوا كما يعود الأحرار: بكرامة.
لم يغادروا هرباً من وطنهم، بل حمايةً لأرواحهم. ولم يعودوا بإذن من صحفي، بل بقرار دولة تعرف ما تفعل.
أخبروهم أن العائدين لم يرجعوا فقط إلى منازلهم، بل إلى جذورهم، إلى أرض لا تُهزم، وأن بين ذاك الخروج وهذه العودة ، كُتبت واحدة من أنصع قصص التضامن المغربي: حيث تم إجلاء أكثر من 154 ألف مواطن ، وأمنت سدود كبرى – وفي مقدمتها سد وادي المخازن –، وأقيمت العشرات من مراكز الإيواء أ في زمن قياسي، وبعقول وسواعد مغربية خالصة، دون أن تحتاج لدروس من صحافة الكوارث الموسمية التي تقرأ المشهد بالمقلوب ، فتخطؤ قراءة المشهد مرتين:-مرةً حين جهلوا حجم الجاهزية المغربية ،،– ومرةً حين لم يفهموا أن المغرب، بتوجيهات ملكية واضحة، انتقل من منطق إدارة الأزمة إلى منطق السيادة في مواجهة الكارثة.
لأن هذا المغرب الذي يمدّ يده للآخرين ساعة الشدة، لا يُعقل أن يعجز عن حماية أبنائه. والمغرب الذي يثق في مؤسساته، لا يحتاج شهادة حسن سلوك من صحفي يرى في كل خيمة إيواء “مخططاً”، وفي كل حافلة إنقاذ “ترحيلاً”.

الأخطر من الفيضان، هو صحافة الذعر التي يصبح الخوف عندها مهنة ولا تنتج إلا هذا النوع من المقالات التي تُرعب الأسر، وتبث الذعر، وتخلط عمداً بين المفاهيم، وتستعير خطاباً بائساً يذكّر بما تروّجه غرف مظلمة خارج الحدود.
وهنا لا يعود السؤال: هل أخطأ الصحفي؟ بل: لمصلحة من يُراد تحويل الإنقاذ إلى جريمة، والدولة إلى متّهم، والمواطن إلى ضحية وهمية؟
في النهاية، سيجفّ الوادي، وستُرمم البيوت، وسيعود الناس إلى حياتهم…
أما مقالات التهويل، فستجفّ هي الأخرى، وتبقى شاهدةً على أن بعض الأقلام، حين تعجز عن قول الحقيقة، تختار أن تسبح في الطوفان.
حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *