خواطر رمضانية 2 ظواهر رمضانية مستفِزّة!!

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

حين تصوم المدينة وتفطر الفوضى في هذا الشهر الكريم، حيث يُفترض أن تهدأ النفوس، وتلين الطباع، ويُعاد ترتيب العلاقة مع القيم، يحدث عندنا العكس تمامًا: المدينة تصوم والفوضى تفطر باكرًا، وعلى قارعة الطريق.
رمضان عندنا لم يعد شهر الصبر فقط، بل صار موسمًا سنويًا لاختبار قدرة الشوارع على الاحتمال، والأرصفة على الصمود، وأعصاب المواطنين على عدم الانفجار. فمنذ أول يوم، تخرج عربات بيع الخضر والفواكه من جحورها، كما لو أن صافرة انطلاق أُطلقت في سباق ماراثوني للفوضى، فتحتل الأرصفة، وتغلق الممرات، وتحاصر المحلات، وتفرض أمرًا واقعًا على الجميع: مرحبًا بكم في سوق مفتوح ، بلا أبواب، ولا نظام، ولا حياء عمراني.
لا شارع ينجو ، ولا حيٌّ راقٍ يتمنّع، ولا زقاق شعبي يشتكي وحده ، الكل متساوٍ أمام هذه العدالة الرمضانية العجيبة: عربة هنا، وأخرى هناك، وثالثة تعترض الطريق «مؤقتًا»—والمؤقت عندنا يمتد من الأذان إلى ما بعد العيد.
أما الباعة، فيتقنون فن الصياح أكثر مما يتقنون فن البيع، يتنافسون بالأحبال الصوتية لا بالأسعار، وكأنهم يؤدون طقوسًا جماعية لطرد السكينة من الأحياء.
المشهد يصبح أكثر شاعرية حين نرى الخضر والفواكه، وقد تعرضت لكل ما حرّمه الذوق العام: شمس حارقة، غبار كثيف، أدخنة سيارات، ثم تُباع بثقة كاملة لمواطنين من مختلف الطبقات، وكأننا أمام منتجات عضوية نضجت في حضن الطبيعة ، وليس في قلب الاختناق المروري.
وحتى لا نظلم أحدًا، لا بد من التذكير بالحجة الجاهزة، التي تُستخرج كل رمضان من مخزن الأعذار الوطني: الفقر، البطالة، الهشاشة، غياب فرص الشغل، وغيرا من الحجج المحترمة في أصلها، لكنها تُستعمل هنا كتصريح دائم لاحتلال الفضاء العام، وشهادة حسن سلوك للفوضى، وتبرير مسبق لتعليق القانون إلى إشعار غير مسمى.
والأكثر طرافة في هذا كله، هو أن الدولة—حفظها الله—لم تبخل علينا بالحلول، فقد بنت أسواقًا نموذجية أنيقة، منظمة، مسقوفة، مجهزة ، لكنها للأسف تعاني من عزلة روحية قاتلة، لا يزورها إلا الزرزور وبعض القطط المتأملة في الفراغ، أما الحياة الحقيقية، فمزدهرة خارجها، على الإسفلت، وبين العجلات، وتحت منبهات السيارات.
رمضان عندنا إذن ليس شهر النظام، بل موسم التعايش الرسمي مع الفوضى ، شهر تُصوَّم فيه القوانين، وتُفطر فيه الأرصفة، وتُقام فيه شعائر «التسامح مع الاختلال»، باسم الظروف الاجتماعية، وببركة الصمت الجماعي.
ويبقى السؤال، معلقًا بين أذان وأذان: هل نصوم فعلًا عن الفوضى في رمضان، أم نؤجل التوبة إلى ما بعد العيد ،ككل سنة؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *