هل يُحاكم الصدق بتهمة الإفطار العلني

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

ليس هذا دفاعًا عن مايسة سلامة الناجي بل تعجبا ممن يريدون مغربًا بلون واحد، ومزاج واحد، وسلوك واحد. في مجتمعٍ يتقن فنّ “النية الحسنة باللسان، وسوء الفعل بالخفاء”، قرّرت مايسة سلامة الناجي أن ترتكب جريمة نادرة أنها: “قالت ما تفعل، وفعلت ما تقول” ،لا أكثر ولا أقل.
كتبت مايسة، بكل بساطة، أنها لا تصوم منذ عشر سنوات ، لم تُرفق التدوينة بفتوى، ولا ببندقية أيديولوجية، ولم تعلن نفسها قدوةً أخلاقية، ولا داعيةً للإفطار الجماعي، ولا “هادمة للشعائر” ، بل مجرد إخبار ، مجرد صدق، مجرد خلعٍ لقناع.
وهنا، يبدأ الخطر في أي مجتمعٍ تعوّد أن يُدار بالأقنعة، حيث يصبح الصدق فعلًا استفزازيًا، ويُعدّ الاعتراف جريمة، ويُعامل الوضوح كما لو كان تهديدًا للأمن الروحي القومي. لم يُغضب منتقديها لأنها لا تصوم، بل أغضبهم أنها لم تكذب ، لم تنافق ، لم تؤدِّ طقس “الصائمين نهارًا، المفطرين ليلًا، المتدينين أمام الناس، الأحرار خلف الستائر”.
فكان العقاب جاهزًا: اتهامات بالجملة، تخوين، تشكيك في “هوية الأمة”، واستدعاء ثقيل لمفردات من قاموس “نحن مقابل هم”،
بل إن بعضهم، وقد اشتد به الغيظ، لم يكتفِ بالشتم الافتراضي، بل طالب بمحاكمتها، لا دفاعًا عن الدين، بل دفاعًا عن حقه في فرض أيديولوجيته الدينية على الآخرين.
وهنا مربط الفرس:القضية لم تكن يومًا مايسة، ولا صيامها، ولا إفطارها.
القضية أن تصريحها البسيط فضح عقيدة أيديولوجية تحاول منذ عقود احتكار المجال العام، وتحويل الإيمان من علاقة فردية حرة إلى “نظام عام” مراقَب، وقسري، يُقاس فيه الانتماء الوطني بعدد ساعات الجوع والعطش.
يريدون مغربًا بلون واحد، ومزاج واحد، وسلوك واحد.
يريدون إقناعنا بأننا “جماعة دينية متجانسة”، بينما الواقع – ذلك العنيد – يقول العكس: المغاربة مختلفون، في الممارسة، في القناعات، في التفاصيل ومع ذلك، فم موحَّدون في انتمائهم لوطن اسمه المغرب، لا يحتاج إلى صوم قسري ليبقى قائمًا.
فلو كان في النقد شيء من الصدق، لراجع هؤلاء أنفسهم قبل مهاجمة امرأة قالت ما تفعل ، لأنها ربما لم تقصد طرح مسألة دينية، بل طرحت سؤالًا قانونيًا مؤجَّلًا منذ 1962: قانون جنائي وُلد في زمنٍ غير هذا الزمن، ويعيش اليوم في حالة شرود، يطارد مجتمعًا تغيّر، بينما هو يرفض أن يتغير.
فإذا كان الصدق مزعجًا،وإذا كان الاعتراف اختيارًا شخصيًا يُعدّ تهديدًا،
وإذا كان الإفطار الصريح أخطر من النفاق الجماعي ، فالمشكل –كما قال الأستاذ عصيد- :”ليس في مايسة، بل هو في قانونٍ يجرّم الاختلاف”، وفي عقليةٍ تخاف من الحقيقة أكثر مما تخاف من الكذب.
أما مايسة، فقد فعلت ما لا يجرؤ عليه كثيرون: قالت الحقيقة ،ودفعت ثمنها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *