حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في المغرب، يبدو أن للنضال طابقين: طابق علوي تُرفع فيه الشعارات، وتُشهر فيه القبضات، وتُلقى فيه الخطب الرنانة عن الكرامة والعدالة الاجتماعية ، وطابق سفلي أكثر هدوءاً، تُدار فيه الحسابات، وتُغلق فيه الدفاتر، ويُفضَّل فيه الصمت على الشفافية.
تقرير المجلس الأعلى للحسابات الأخير لم يكن مجرد وثيقة تقنية باردة، بل كان أشبه بمرآة وُضعت فجأة أمام وجه العمل النقابي، فانعكس فيها ما لم يكن يُرى بالعين المجردة: أموال عمومية تُمنح، ومسارات صرف يصعب تتبعها، وضبابية لا تنسجم كثيراً مع خطابات الشفافية التي تُرفع في الساحات.
المفارقة الصارخة أن النقابات، التي لا تتردد في مطالبة الحكومة بفتح دفاترها ومصارحة المواطنين بكل درهم، تبدو أقل حماساً حين يتعلق الأمر بدفاترها الخاصة ، وكأن الشفافية مبدأ جميل ، لكن يُفضَّل أن يُطبق على الآخرين فقط.
لسنا هنا أمام أرقام ضخمة تُربك ميزانية الدولة، لكننا أمام شيء أكثر حساسية: الثقة. فحين يحصل فاعل يفترض أنه يمثل صوت الشغيلة على دعم عمومي، فإن السؤال لا يكون كم؟ بل كيف؟ ولماذا؟ وبأي أثر على من يُفترض أنه يدافع عنهم؟
الحديث عن 12 مليون درهم كدعم مباشر، و27 مليوناً عند احتساب باقي الإعانات، قد يبدو عادياً في منطق الأرقام الكبرى، لكنه يتحول إلى رقم ثقيل حين يُقارن بأجور متآكلة، وعقود هشة، وموظفين يلهثون خلف نهاية شهر لا ترحم، هنا، لا يعود المال مجرد رقم، بل يصبح اختباراً أخلاقياً.
ثم يأتي “التفرغ النقابي”، ذلك الامتياز الذي يُفترض أن يخدم النضال، لكنه في بعض الحالات يتحول إلى وضع مريح يجمع بين راتب مضمون ونشاط لا يُقاس أثره دائماً على أرض الواقع ، وكأن النضال أصبح وظيفة دائمة، لا معركة يومية.
لكن أخطر ما كشفه التقرير ليس احتمال وجود اختلالات، بل وجود “منطقة رمادية” لا يمكن الجزم بما يجري داخلها ،غياب المعطيات لا يعني بالضرورة سوء التدبير، لكنه يفتح الباب واسعاً أمام الشك، والشك هو العدو الأول لأي مؤسسة تدّعي تمثيل الناس.
في هذا السياق، تبدأ “قدسية” بعض الزعامات النقابية في التآكل ، تلك الصورة التي رسمت لعقود عن المناضل الذي لا يُسأل، ولا يُحاسب، ولا تُناقش قراراته، تبدو اليوم أقل صلابة أمام أسئلة بسيطة لكنها محرجة: أين تذهب الأموال؟ وما أثرها؟ ولماذا لا نرى تقارير واضحة؟
الأمر لا يتعلق بمحاكمة النوايا، بل بإعادة ترتيب العلاقة بين الخطاب والممارسة ، فالنقابة التي ترفع شعار الدفاع عن الكرامة، مطالبة أولاً بأن تُمارس كرامة الشفافية داخل بيتها ، والتي تنتقد غياب الحكامة، لا يمكنها أن تعيش في منطقة خارج المساءلة.
التباعد بين الخطاب النقابي والواقع الاجتماعي لم يعد مجرد انطباع، بل أصبح إحساساً يتسلل إلى جزء من الشغيلة التي بدأت تتساءل: من يمثل من؟ ومن يتحدث باسم من؟ وهل لا يزال النضال أداة للدفاع عن العمال، أم أصبح في بعض الحالات غاية في حد ذاته؟
ربما يكون هذا التقرير فرصة نادرة، ليس لإدانة النقابات، بل لإنقاذها من نفسها ، وفرصة لكسر تلك “القدسية” التي لم تعد تقنع أحداً، واستبدالها بثقافة جديدة قوامها الوضوح، والمحاسبة، وربط المسؤولية بالفعل، لا بالشعار.
لأن النضال الحقيقي لا يُقاس بعلو الصوت في المنابر، بل بوضوح الحسابات في الكواليس ، وما بين “العلالي” و”الخفاء”، تضيع أحياناً الحقيقة ، ومعها، تضيع الثقة.