حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
لا تحتاج إلى دراسات في علم الاجتماع لتفهم سلوك الناس، يكفي أن تعلن عن زيادة في أسعار المحروقات قبل منتصف الليل، وستحصل على عرض كوميدي مباشر أمام “السطاسيونات” لا يقل جودة عن أفضل المسرحيات الساخرة. فجأة، يتحول المواطن الذي لم يحتج يومًا أمام البرلمان، إلى عدّاء أولمبي في سباق “اللتر الأخير”. تزاحم، تنابز، أبواق سيارات، ووجوه متجهمة كأننا على أبواب مجاعة بنزين تاريخية. كل ذلك من أجل توفير بضعة دراهم، قد تُصرف لاحقًا في قهوة بلا طعم أو سيجارة بلا هدف. أما فكرة الاحتجاج الحضاري الذي تنهجه الدول المتحضرة حين يرتفع ثمن الوقود، فيركن الناس سياراتهم لأسبوع او يزيد ،مستبدلينها بالدراجات، فيربحون صحتهم ويضغطون على الحكومات ، الإجراء الذي يُصنّف عندنا ضمن الخيال العلمي ، لكون “البيكالا” ما تزال عندنا جريمة اجتماعية في حق “البرستيج”، حتى لو كان صاحبها غارقًا في الديون. الأطرف من ذلك، أن الجميع يعلم أنه يُستنزف يوميًا بحجج “السوق الدولية” و”السطوك الغالي”، لكن بدل أن يتوحد لرفض العبث، يتوحد فقط أمام المضخة. وإن افترضنا جدلًا أن معجزة حدثت، وقرر الناس المقاطعة واستعمال الدراجات، فلا تقلقوا ، فستستيقظون في الغد لتجدوا أن ثمن “البيكالا” قد تضاعف، لأن عبقرية فراقيات السوق عندنا لا تُفوّت فرصة: حتى “الصلاية” قد تصبح استثمارًا استراتيجيًا إذا شاع خبر نهاية العالم. الخلاصة؟ نحن لا نعاني من غلاء الأسعار فقط ، بل نحن محترفو تكيّف مع الإهانة.