المعجزة الانتخابية :” موسم الهجرة إلى المواطن”

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

يبدو أن صاحب مقالة “المعجزة الانتخابية” التي أعجبت بفكرتها الطريفة ، كان متفائلاً أكثر من اللازم ، لأنه اعتبر ما يحدث مجرد “استيقاظ” ، بينما الحقيقة أن الأمر أعمق بكثير ، حيث أننا أمام ظاهرة طبيعية نادرة تستحق أن تُدرّس في كليات العلوم السياسية تحت عنوان: “الهجرة الموسمية للسياسيين نحو المواطن”. فكما تهاجر الطيور بحثاً عن الدفء، يهاجر بعض برلمانيينا بحثاً عن الأصوات ، يختفون خمس سنوات كاملة في مناطق نائية اسمها “الصمت المسؤول”، ثم يعودون فجأة إلى المدن والأحياء الشعبية وكأنهم مكتشفون جدد لمعاناة البشر. والغريب في هذه المعجزة ليس ظهورهم ، بل قدرتهم الخارقة على النسيان ، نسيان أنهم كانوا في مواقع القرار، يوقعون، ويصوتون، ويبتسمون في الصور الرسمية، نسيان أن المواطن الذي يخاطبونه اليوم هو نفسه الذي تركوه بالأمس يواجه مصيره مع الحفر، والبطالة، ووعودهم المؤجلة. ثم يبدأ العرض الكبير ، الذي تتحول الأزقة الضيقة إلى منصات خطابة، وتتحول المقاهي إلى “مراكز إنصات”، ويتحول السياسي—الذي كان يصعب الوصول إليه حتى عبر الهاتف—إلى كائن اجتماعي يعانق الجميع، ويصافح حتى من لم يطلب المصافحة. أما اللغة… فحدّث ولا حرج ، نفس القاموس يُفتح من جديد وحتى بالأمازيغية: “سنفعل”، “سنعمل”، “سننقذ”، “سنغير”… وكأن “السين” في هذه الأفعال ليست حرف استقبال، بل وسيلة للهروب الجماعي إلى المستقبل. وإذا دققت أكثر، ستكتشف أن بعضهم لا يكتفي بالعودة ، بل يعود بنسخة مطورة من نفسه: نفس الوجه، لكن بخبرة أكبر في تبرير الفشل، ونفس الخطاب، لكن بإخراج أفضل، ونفس الوعود لكن مغلفة بورق أكثر لمعاناً. أما المواطن، فقد أصبح في هذا العرض مثل متفرج قديم يعرف نهاية المسرحية، لكنه يحضرها كل مرة بدافع الفضول، أو ربما بدافع الأمل الذي يرفض أن يموت. لكن الجديد هذه المرة، والذي لم ينتبه له أبطال “المعجزة”، هو أن هذا المتفرج بدأ يملّ ، لم يعد يصفق بحرارة، ولم يعد يصدق بسهولة، بل بدأ يسأل أسئلة مزعجة من قبيل: “أين كنتم؟” و”ماذا فعلتم؟” و”لماذا نثق بكم مجدداً؟” ،وهنا، تختفي المعجزة الحقيقية ، المعجزة التي لم تكن في عودة السياسيين ، بل في صبر المواطن كل هذه السنوات ، والذي يبدو أنه في طريقه إلى الانقراض كمعجزة تفردت بها مجتمعاتنا. وفي انتظار ذلك، سيستمر الموسم، وستستمر الهجرة ، وسيستمر بعض السياسيين في الاعتقاد أن ذاكرة المواطن قصيرة، بينما الواقع يقول: الذي كان قصيراً هو فقط صبره وقد طال عليه الانتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *