الأمثال حين تفضح تُعري المستور

حميد طولست … كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

ليست الأمثال الشعبية المغربية مجرد عبارات عابرة تُقال في المجالس، بل هي خلاصة قرون من التجربة الإنسانية، تختزل حكمة الناس البسطاء في مواجهة تناقضات الحياة، إنها مرآة صادقة لواقع المجتمع، وسلاح لغوي ذكي يُستخدم للسخرية، النقد، وأحيانًا للتعرية دون حاجة إلى خطابات مطولة أو تنظير ثقيل.
في زمنٍ كان فيه المغاربة يحتفلون بالعيد بطريقتهم الخاصة—فرح بسيط، تضامن صادق، وضحك لا يحتاج إلى أيديولوجيا لتبريره—كانت الأمثال تقوم مقام التحليل السياسي والاجتماعي، بل تتفوق عليه أحيانًا ببلاغتها واختزالها.
فبينما ينشغل البعض اليوم بإحياء شعارات قومجية/يسارية/اسلاموية فقدت بريقها منذ سقوط الأيديولوجيات -كالاتحاد السوفياتي- ولا تزال تُقدَّم كأنها مفاتيح الخلاص وراحة الشعوب، يردّ المثل المغربي ببساطة جارحة:”بغينا راحة المال، أما راحة البال غير جوان إقادها” في إشارة ساخرة إلى أن الشعارات لا تُطعم خبزًا، وأن راحة البال لا تُصنع بالبكائيات وخطابات التنديد ، بل بواقع ملموس ، أو ربما بحلم مؤجل لا يأتي.
ثم يأتي مثل آخر، كأنه يضع إصبعه على الجرح دون استئذان: “شكون داها فيك الزميتة نهار العيد؟” سؤال بريء في ظاهره، لكنه عميق في دلالته، يُقال لمن يختار العبوس في زمن الفرح، أو لمن يتبنى مواقف متشنجة بلا مبرر، وكأن الحزن موقف سياسي.
أما حين تختلط الأوراق، ويصبح التناقض سيد الموقف، فلا شيء أبلغ من قولهم :”إلى رخاص الشعير، كيغلاو لحمير” مثل يختصر مفارقة عجيبة: حين تتوفر الأسباب، تختفي النتائج، وحين تتحسن الظروف، يزداد العبث ، وكأنه وصف دقيق لحال بعض “يسايري المنابر” الذين يرفعون شعارات العدالة وهم أول من يقفز فوقها.
وفي لحظة الذروة، حين يصبح الكلام عبثًا، والنقاش مضيعة للوقت، لا يبقى إلا حكمة الصمت مع المثل العجيب المعلن ببلاغة عن انسحاب العقل من ساحة امتلأت بالضجيج، حيث لا جدوى من الجدال مع من فقدوا البوصلة: : “شفت عرايا وعرى لحسن، قلت السكات أحسن”.
هكذا، تظل الأمثال المغربية أكثر صدقًا من كثير من الخطب، وأعمق من كثير من التحليلات، فهي لا تدّعي امتلاك الحقيقة، لكنها تكشفها بابتسامة ساخرة أحيانًا، وبصفعة لغوية أحيانًا أخرى.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى إيديولوجيات مستوردة من “قم ” أو “غزة” بقدر ما نحتاج إلى الإصغاء جيدًا لما قاله الأجداد، لأنهم، ببساطة، جرّبوا قبل أن يتكلموا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *