حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن بعض مرشحي فاس قد أصيبوا هذه الأيام بحساسية مفاجئة ، ليس من الأمطار أو الغبار أو الربيع، بل من “الحناء”! نعم، تلك المادة البريئة التي كانت تُستعمل لتزيين الأيادي الناعمة، فأصبحت – في نظرهم – ضحية قرار “قاسٍ” من مصالح وزارة الداخلية، التي قررت وضع حد لأنشطة الحناء بمختلف مقاطعات المدينة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
لكن، لنكن صرحاء: الحناء هنا ليست سوى قمة جبل الجليد ، فبعض “الفاعلين الموسميين” – الذين لا يظهرون إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع – كانوا قد حولوا هذه الأنشطة الاجتماعية إلى ما يشبه “مكاتب تصويت متنقلة”، حيث يُوزع الكرم بسخاء، ويُعلن عن مسابقة في تجويد القرآن الكريم ، وتُنظم الندوات الوعظية، لا لوجه الله، بل لوجه الصندوق ، أما الدوريات الرياضية، فقد أضحت – بقدرة قادر – مباريات فاصلة لا بين الفرق، بل بين الطموحات الانتخابية، حيث يسجل الأهداف من يُجيد التمرير ،لا في الملعب، بل في الكواليس.
ولا ننسى قفف الإحسان، تلك التي تتضاعف كمياتها وجودتها كلما اقترب موعد الانتخابات، وكأن الفقر نفسه يخضع لأجندة انتخابية، فيظهر ويختفي حسب الحاجة! أما الحفلات الموسيقية التراثية، فهي الأخرى لم تسلم، إذ تحولت من فضاء للاحتفاء بالثقافة إلى منصة “ناعمة” لتلميع الصور وبناء الولاءات.
أمام هذا المشهد، جاء قرار وزارة الداخلية كمن أطفأ الأنوار في حفل تنكري ،فاختلطت الأقنعة، وارتبك من كانوا يظنون أن الطريق إلى قلوب الناخبين تمر عبر “الحناء” و”الكسكس” و”الميكروفون”.
ويرى العديد من المراقبين أن هذه الخطوة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل في طياتها رسالة واضحة: لا للعمل الاجتماعي حين يُستعمل كحصان طروادة لأجندات انتخابية ضيقة، ولكن لتكافؤ الفرص بين جميع الفرقاء، بعيداً عن استغلال الهشاشة أو توظيف المناسبات العامة لأغراض سياسوية.
والحقيقة أن هذا التحرك الاستباقي لم يمنع فقط الحناء ، بل منع أيضاً الكثير من “التخضيب السياسي” الذي كان يُمارس في الخفاء ، ولذلك، ليس مستغرباً أن نرى بعض “صيادي المياه العكرة” في حالة ارتباك، وهم يبحثون الآن عن بدائل: ربما “مهرجان الشاي بالنعناع”، أو “بطولة وطنية في توزيع الوعود”!
في النهاية، قد تختفي الحناء مؤقتاً من ساحات فاس، لكن الأمل أن تختفي معها أيضاً تلك الممارسات التي تسيء إلى العمل السياسي، وتُفرغ العمل الاجتماعي من معناه النبيل، والذي يحتم على الناخب الفاسي، أن يكون هذه المرة أكثر يقظة ، وأقل قابلية لأن يُخضّب صوته بأي لون حنة، مهما كان جذاباً.