حكومة المونديال ،الوهم الذي أصبح برنامجًا انتخابيًا!

حميد طولست .
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

وأنا أتصفّح بعض المواقع الإلكترونية، استوقفني خبر يكاد يُصنّف ضمن أدب الخيال السياسي أكثر منه ضمن الأخبار: تصريح منسوب إلى بنكيران مفاده أنه “غادي يترأس حكومة المونديال بسباب ثقة المغاربة فيه”.
ثقة المغاربة؟! جميل ، بل جميل جدًا، لدرجة أن المواطن يكاد يتساءل إن كان قد عاش في نفس المغرب أم في نسخة موازية منه لا نعرف عنها شيئًا!
ولأن لكل رواية من يفككها، جاءت مقالة المحلل السياسي عزيز الدروش لتضع هذا التصريح تحت مجهر الواقع، مستهلًا بآية كريمة: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”
آية لا تحتاج إلى شرح بقدر ما تحتاج إلى إسقاط صادق، وهو ما فعله الرجل حين اعتبرها مرآة لخطاب سياسي أتقن الكلام وأخطأ في الأمانة.
فكيف يمكن لسياسي متزن أن يتحدث عن “ثقة المغاربة”، وهو يعلم—ويعلم الجميع—أن فترة توليه لم تكن سوى مرحلة إطلاق سراح الفساد بكفالة “عفى الله عما سلف”؟ شعار إصلاحي جذاب نعم ، لكن بنتائج أقل جاذبية .
تم معه تحرير سوق المحروقات، لا كخطوة إصلاحية مدروسة، بل كهدية مفتوحة للوبيات، تُقدّم يوميًا من جيوب المغاربة ، وتم معه أيضا إصلاح صندوق المقاصةن لكن بطريقة جعلت المواطن يؤدي الفاتورة كاملة، بينما الامتيازات الكبرى بقيت في منطقة الراحة، لا يمسها إصلاح ولا تقشف.
أما الصحة، فتحولت معه إلى سوق: المريض فيه زبون، والمرض فرصة استثمار.
والتعليم؟ قصة أخرى من نفس السلسلة: تفكيك هادئ للمدرسة العمومية، مقابل تضخم تعليم خاص يبتسم كلما ازداد ضعف العمومي.
الدولة نفسها تغيّر دورها: من حامٍ اجتماعي، إلى وسيط يكتفي بمشاهدة المواطن وهو يصارع مصيره.
ثم يأتي السؤال الساخر—والمؤلم في آن واحد: هل العودة المنتظرة ستكون بنفس الوصفة؟ ونفس السياسات؟ ونفس الأخطاء التي قُدّمت لنا سابقًا على أنها “إصلاحات”؟
لأن ما نعيشه اليوم ليس قطيعة مع الماضي ، بل هو امتداد طبيعي له ، ولأن الأرضية التي مهدت لتحالف المال والسلطة ، لم تُبْنَ في يوم واحد، بل تأسست حين فُتحت الأبواب بلا حراسة، ومرّت القرارات بلا مساءلة.
والأخطر من كل ذلك، لم يكن في السياسات فقط، بل في التغليف:توظيف الدين لإضفاء الشرعية ،، خطاب يدعو للصبر ، بينما الامتيازات لا تصبر على أحد.
خلط متقن بين التقوى والسياسة، حتى يصبح الاعتراض وكأنه خروج عن القيم، لا عن السياسات.
واليوم، ونحن أمام محاولة إعادة تدوير نفس الوجوه ونفس الخطاب، تطرح الأسئلة نفسها بإلحاح:
من سيحاسب على تحرير المحروقات إذا ؟ من سيحاسب على ضرب القدرة الشرائية؟ من سيحاسب على فتح الأبواب للوبيات؟ ومن سيحاسب على القرارات التي مست كرامة المواطن؟ لأن ما وقع لم يكن مجرد أخطاء تدبير ، بل كان منعطفًا حقيقيًا: رفع شعار الإصلاح، وأطلق يد السوق ، تحدث عن العدالة، وأضعف الحماية الاجتماعية ، بشّر بالأخلاق ومهّد لهيمنة المال.
وهنا، تبقى الآية صالحة لكل زمان سياسي:
ليس كل من أحسن الكلام صادقًا ، ولا كل من استشهد بالقيم ملتزمًا بها.
أما حكاية “حكومة المونديال ،فربما تصلح عنوانًا جيدًا، لكن ليس لبرنامج سياسي ، بل لرواية ساخرة عن بلد يبحث عن الإصلاح، فيجد نفسه أمام إعادة بثّ لنفس الحلقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *