بين المرآة والزجاج… كيف نقود حياتنا ونحن نُكثر من الرجوع إلى الخلف؟”

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في زمنٍ أصبح فيه الجميع خبراء في كل شيء—من السياسة إلى الطب إلى تحليل المباريات—قرأت لصديقي الأستاذ العزيز عزيز الزاهر خاطرة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تحمل من العمق ما يكفي لإحراج كثير من “فلاسفة المقاهي” الذين لا يقودون حياتهم بقدر ما يتركونها تسير على وضعية “الرجوع إلى الخلف” ، فقررت اشراك قرائي وقراء عزيز العزيز في ما اغرقتني فيه من تيه التفكير في ثنائية الماضي والمستقبل…
لم تكن الخاطرة مجرد تأمل عابر، بل بناء رمزي دقيق يقوم على استعارة مركزية ذكية: قيادة السيارة كصورة للحياة ، والتي لم يحتج إلى تنظير معقد، ولا إلى استدعاء مصطلحات ثقيلة من رفوف الفلسفة الوجودية، لتمرير ، من خلال بساطتها، لرؤيته الفلسفية العميقة لعلاقة الإنسان بالزمن، خاصة ثنائية الماضي والمستقبل ، واكتفى بصورة يعرفها الجميع: مقود، زجاج أمامي، ومرآة خلفية ، ثلاثة عناصر فقط لكنها تكفي لفضح علاقتنا المرتبكة مع الزمن.
الزجاج الأمامي، كما يذكرنا النص، واسع، ممتد، مفتوح على كل الاحتمالات وكأنه يقول لنا: “المستقبل كبير، لكن هل أنتم كذلك؟”
بينما المرآة الخلفية صغيرة، محدودة، لا تعكس إلا ما مضى ، ومع ذلك، هناك من يصرّ على جعلها شاشة عرض رئيسية لحياته، بل ويقود بها!
وهنا تبدأ المفارقة الساخرة: كيف يمكن لإنسان أن يسير إلى الأمام وهو مشغول طول الوقت بما وراءه؟ وكأن بعضنا قرر أن يحوّل حياته إلى “إعادة بث مستمرة”، يعيد فيها نفس الأخطاء، ونفس الندم، ونفس الحكايات ، مع اختلاف طفيف في التفاصيل، فقط لإضفاء طابع “التجديد”.
الخاطرة لا تهاجم الماضي—وهنا ذكاؤها—بل تضعه في حجمه الطبيعي: الذي ليس وطنًا نقيم فيه، بل محطة نتزود منها ، والتي يبدو أن كثيرين فهموا الأمر بالعكس، فحوّلوا المحطة إلى إقامة دائمة، بل إلى “ملكية عقارية” لا تقبل التفويت.
ولو استحضرنا ما قاله فريدريك نيتشه عن ثقل التاريخ، لوجدنا أن بعض الناس لا يحملون ماضيهم فقط، ويجرّونه جرًّا، ثم يشتكون من التعب!
في المقابل، هناك فئة أخرى قررت أن تتعامل مع الماضي وكأنه “فيروس”، يجب حذفه بالكامل، فتسير في الحياة بلا ذاكرة، وتعيد نفس المنعطفات الخاطئة بدهشة بريئة، وكأن الخطأ يحدث لأول مرة في تاريخ البشرية.
وهنا تأتي الجملة التي تستحق أن تُكتب بماء التنبيه لا بماء الذهب:
“التوازن هو سر النجاة.”
ولكن، لنكن صرحاء:التوازن مفهوم جميل في الكتب، صعب في الواقع، ونادر في الممارسة ، فنحن—في الغالب—نميل إلى أحد الطرفين:
إما نوستالجيا مفرطة تجعلنا نعيش في “أيام زمان”، أو اندفاع أعمى نحو المستقبل، دون خريطة أو حتى فرامل.
الخاطرة، في عمقها، ليست درسًا في القيادة، بل في الوعي: كيف ننظر؟ وكم ننظر؟ وأين نضع تركيزنا؟
وهي أسئلة لو طُرحت خارج سياق النص، لبدت فلسفية ثقيلة، لكنها هنا تأتي خفيفة، سلسة، كأنها تقول: “المشكلة ليست في الطريق بل في طريقة نظرك إليه.”
ولعل أجمل ما في النص، أنه لا يكتفي بالتشخيص، بل يقدّم وصفة بسيطة: اجعل الماضي مرآة، لا مقودًا ، واجعل المستقبل وجهة، لا مجرد فكرة مؤجلة.
فهل نحن مستعدون فعلًا لهذا النوع من “القيادة الواعية”؟ أم أننا سنواصل السير بنفس الطريقة، ثم نتساءل—ببراءة تامة—لماذا لا نصل؟
في النهاية، يمكن اختصار الرسالة كلها في صورة واحدة: إذا كان الزجاج الأمامي أوسع من المرآة الخلفية، فذلك ليس عبثًا ، بل لأن الحياة—ببساطة—تريدك أن ترى أكثر مما تتذكر،
وأن تمضي ، أكثر مما تلتفت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *