حطاب الساعيد
في سياق وطني يتسم بتحديات متزايدة في إصلاح منظومة التربية والتكوين، تبرز تجربة ذة.صفاء قسطاني بإقليم خنيفرة كواحدة من المحاولات الجادة لإعادة بعث الروح داخل قطاع أنهكته الإكراهات البنيوية وتراكمات التدبير التقليدي. فمنذ توليها المسؤولية، اختارت المديرة الإقليمية أن تخرج عن النمط الكلاسيكي في الإدارة، متبنية رؤية ترتكز على القرب من الميدان والإنصات لمختلف الفاعلين، مع الحرص على إرساء دينامية جديدة قوامها الفعل والنتائج.
هذه المقاربة لم تبق حبيسة الشعارات، بل بدأت ملامحها تتجسد تدريجيا داخل المؤسسات التعليمية، سواء من خلال تفعيل آليات التتبع والمواكبة أو عبر إعادة الاعتبار للأطر التربوية والإدارية، باعتبارها حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي. وقد ساهم هذا التوجه في خلق نوع من التعبئة الجماعية داخل المنظومة، حيث باتت المبادرات المحلية تحظى بدعم وتشجيع، في أفق بناء نموذج تربوي أكثر تفاعلا مع خصوصيات الإقليم.

ولعل من أبرز تجليات هذا التحول الاهتمام المتزايد بمجالات ظلت لسنوات تعاني من الهامشية، وعلى رأسها التعليم الأولي بالعالم القروي، والدعم التربوي لفائدة التلاميذ المتعثرين، إلى جانب تعزيز الأنشطة الموازية التي تساهم في صقل شخصية المتعلم. وهي اختيارات تعكس وعيا بأن المدرسة لم تعد مجرد فضاء للتحصيل المعرفي، بل مجالا متكاملا لبناء الإنسان.
غير أن هذا المسار رغم ما يحمله من مؤشرات إيجابية لا يخلو من صعوبات حقيقية، فإقليم خنيفرة يواجه تحديات مركبة، تتعلق بالهشاشة الاجتماعية وصعوبة الولوج إلى عدد من المؤسسات، فضلا عن الخصاص المسجل في بعض الموارد البشرية والتجهيزات. وهي إكراهات تتطلب تضافر جهود مختلف المتدخلين من سلطات محلية ومنتخبين ومجتمع مدني إلى جانب الإدارة التربوية.
ومع ذلك فإن ما يميز هذه التجربة هو قدرتها على زرع الأمل في إمكانية التغيير، حيث تواصل ذة.صفاء قسطاني ضخ دماء جديدة في شرايين قطاع التعليم بخنيفرة، في تجربة تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، لكنها تؤكد في الآن ذاته أن الإصلاح ليس حلما بعيد المنال بل مسارا ممكنا حين تقترن المسؤولية برؤية واضحة وإرادة حقيقية وانخراط جماعي في خدمة المدرسة العمومية.