اليوم العالمي للتوحد ، دعوة للرحمة قبل الاحتفال. تعهد جد طفل توحدي في اليوم العالمي للتوحد.

حميد طولست ،
كاتب ساخر وناقد اجتماعي ، وجد طفل تودي.

في هذا اليوم العالمي للتوحد ، وقبل أن نحتفل، دعونا نتعهد أولًا بالعمل معًا لبناء عالمٍ يقبل الجميع ويقدّرهم ، عالمٍ يتيح للأشخاص المصابين بالتوحد تحقيق كامل إمكاناتهم ، ولنكن أكثر تعاطفًا وفهمًا، ولنمد أيدينا لدعمهم ومساندتهم، ولنحوّل هذا اليوم من مجرد مناسبة رمزية إلى رحلة إنسانية نحو فهم التوحد وتقبّل أبطاله ، الذي ليسوا هم التوحديين فقط بل أيضًا أهاليهم، الذين خاضوا عامًا كاملًا من الكفاح الصامت، يساعدون أبناءهم على فهم العالم، وفي الوقت ذاته يساعدون العالم على فهم أبنائهم، وخاصة منم الأمهات، اللواتي كرسن كل جهودهن لغرس الوعي في المجتمعات، والتعمق في فهم هذه الفئة التي تعيش بيننا بقلوب نقية، و لا تبحث إلا على مساحة من الرفق والتقبل والاحتواء.
إن هؤلاء الأطفال لا يطلبون الكثير ، فقط أن نسعى إليهم ولو بخطوات قليلة، مقابل أميالٍ طويلة يقطعونها يوميًا ليتعايشوا معنا رغم اختلافهم ، أن ننصت لمعاناتهم، وندرك صعوباتهم، ونأخذ بأيديهم برفق ورحمة، للوصول إلى أفضل ما يمكنهم، دون عنف أو إجبار.
لأن “اضطراب طيف التوحد” ليس مرضًا يختفي بجرعة دواء أو أعشاب نادرة ، بل هو رحلة طويلة قوامها التأهيل، والتدريب، والرفق، والحب غير المشروط ، حيث أن كل طفل مصاب بالتوحد هو عالم خاص، مليء بالإبداع، والمنطق المختلف الذي يثري مجتمعنا ويمنحه بعدًا إنسانيًا أعمق.
فتقبّل ابنك باختلافه، الذي ليس نقصًا، بل حالة فريدة من التميز، تتطلب عقولًا متفتحة لتقديرها وقلوبًا محبة لاحتوائها، ولا تقارنه بغيره من أبطال التوحد، بل قارنه بنفسه فقط، واحتفل بكل تقدم يحققه مهما كان صغيرًا.
ولا تعتبر نوبات الغضب سوء أدب، فالصراخ أو رمي الأشياء ليس عنادًا، بل هو لغتهم للتعبير عن الألم أو الإحباط، وكون رحيما ولا تعامل العجز بالعنف أو بالنظرات القاسية.
وتوقفوا عن استخدام مصطلحات مثل “أنت متخلف” أو “ستصيبني غفلتك بالتوحد ” على سبيل المزاح، هذه الكلمات ليست بريئة، بل قد تكون سببًا في نشر الوصمة الاجتماعية، وسببًا في تردد كثير من الأهالي في دمج أبنائهم في التعليم أو حتى الاعتراف بإصابتهم.
فالكلمة مسؤولية، فلننتقِ كلماتنا، ولا نمزح بمعاناة الآخرين.
كفّوا عن الإنكار الضار ، ولا تطمئنوا الأهل بعبارات مثل “سيتحسن وحده” أو “هو بخير”، فالإنكار لا يخفي المشكلة، بل يؤخر التدخل المبكر، ويؤخر فرص التحسن، وكونوا عونًا للأهل في طلب المساعدة المختصة، لا سببًا في تأخرهم في رحلة التأهيل.
لا تحكموا من النظرة الأولى ، فالتوحد اضطراب خفي، و ليس إعاقة جسدية ظاهرة، قد يبدو الطفل هادئًا أو طبيعيًا، وهو في قمة معاناته ، فلا تنكروا إصابته، ولا تزيدوا ألم أسرته بالتشكيك.
التوحد “طيف” واسع، كألوان الطيف تمامًا ،ولا توجد في حالة تشبه الأخرى، فالتنوع كبير في الأعراض والقدرات والتحديات، وكلمة “طيف” لا تعني بالضرورة درجة خفيفة، بل تعني تنوعًا واسعًا واختلافًا فريدًا لكل طفل.
رسالة إلى الوالدين… أنتم المختارون لهذه الرحلة
لقد اختاركم الله دون غيركم لرعاية هذه القلوب النقية والخائفة، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، طمأنوهم، وخذوا بأيديهم برفق، وكونوا لهم السند والأمان.
وتذكروا أن التوحد قدرٌ من الله الرحيم، واختبار للصبر والإيمان، وكما قال رسولنا الكريم: “إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط”.
وتذكروا أيضًا أن هذه أمانة مشتركة بين الوالدين، والأجر على قدر المشقة ، وأن تخلي أحد الوالدين عن هذا الحمل إثمٌ عظيم، فلا تترك بابًا من أبواب الجنة، وتتخلى عن ولدك وهو في أمس الحاجة إليك.
ومهما كان الحمل ثقيلًا، فهو في وسعك، ومن اضطر لحمل العبء وحده، فليبشر بأجر مضاعف ودرجات عالية إن صبر واحتسب.
ولا تخف، فلست وحدك ،التوحد ليس نهاية الطريق، بل طريق مختلف، يحتاج إلى رفقاء يحبون أبناءهم بلا شروط، ويغمرونهم بالرفق والحب، ويساعدونهم ليتطوروا يومًا بعد يوم.
لكن الحذر، ثم الحذر من الخرافات ، فلا تجعل ابنك حقل تجارب، فالمجال يمتلئ بالمعلومات الخاطئة والاستغلال، تزود بالعلم، اقرأ، واسأل أهل الثقة، حتى لا تُستنزف طاقتك وطاقة طفلك.
فقد أثبتت الدراسات أن والدي الطفل المصاب بالتوحد معرضون للقلق والاكتئاب نتيجة ضغط الرعاية المستمر، وهذا ليس ضعفًا ، بل تعب وإرهاق واختبار إضافي، فإذا لاحظت علامات الاستنزاف، اطلب المساعدة من المختصين، لتقوى على مساعدة ابنك.
و لنرفع الوعي في هذا اليوم العالمي للتوحد ، ونكسر الوصمة ،ونمدّ أيدينا بالرحمة…
فالتوحد ليس عجزًا بل اختلافًا، وليس عبئًا بل رسالة إنسانية ، وليس نهاية بل بداية طريق نحو عالمٍ أكثر رحمة وإنسانية.
وفي ممناسبة هذا اليوم ، دعونا نكون أكثر لطفًا ، و أكثر فهمًا ،وأكثر إنسانية ، فربما كلمة طيبة، أو نظرة رحيمة، أو دعم بسيط، قد يصنع فرقًا كبيرًا في حياة طفل وأسرة وعالمٍ بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *