حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
بصراحة، لم يعد المواطن المغربي يحتاج إلى متابعة برامج الكوميديا، فالساحة السياسية تكفلت بالمهمة على أكمل وجه وبجودة عالية أيضًا. فهناك مستوى من “الضحك السياسي على الذقون” يجعل العقل السليم يدخل في حالة من الحيرة الوجودية: هل نحن أمام تناقضات سياسية أم أمام عرض سريالي مفتوح بلا نهاية؟
إذ كيف لحزبٍ حرر أسعار المحروقات عندما كان في الحكومة، أن يخرج اليوم محتجًا على غلائها، مطالبًا بالتسقيف وكأنه جمعية لحماية المستهلك؟
وكيف لرئيس حكومة أطلق عبارته الشهيرة “عفا الله عما سلف”، أن يتحول فجأة إلى محارب شرس للفساد، وكأن الفساد نبت فجأة بعد مغادرته للسلطة؟
وكيف لمن أضاف ساعة إلى يوم المغاربة، رغم الاحتجاجات والتذمر، أن يعد اليوم بإلغائها إذا عاد للحكومة، وكأن الزمن نفسه يمكن إعادته ببيان انتخابي؟
وكيف لمن مرّر قانون تقنين الكيف، أن يتبرم اليوم من الاتجار في المخدرات؟
وكيف لمن صوّت على رفع سن التقاعد وزيادة مساهماته وتقليص عائداته، أن يشتكي اليوم من أوضاع المتقاعدين؟
إنها حالة سياسية نادرة: صانع القرار يصبح فجأة ضحية القرار نفسه ، وكأن الحكومة السابقة كانت حكومة أشباح، لا علاقة لها بالحكومة الحالية التي تتحدث بلسان الحزب نفسه.
لكن المشهد الأكثر سريالية بحق، هو خروج من وقّع على اتفاقية التطبيع للاحتجاج على التوقيع نفسه! بل والأكثر طرافة، مهاجمة وزير الخارجية وكأنه كان خارج المشهد، أو كأنه لم يكن يشتغل تحت إشراف حكومة الحزب نفسه التي اتخذت القرار.
فجأة، أصبح الماضي عبئًا ثقيلًا يجب التنصل منه، بعملية “غسل سياسي سريع” ، تحول الخطاب السياسي، قبل أن يفيق المواطن، مما كان عليه قبل الانتخابات ، حييث كنا مع القرار ، إلى مابعد الانتخابات: حيث نحن ضد القرار.
وفي هذا المسرح السياسي المتقلب، لا يمكن تجاهل المشهد الذي يجسد التحول الدراماتيكي في العلاقات السياسية: التي كان يحضى بها عزيز أخنوش لدى بنكيران حين وزيرًا للفلاحة، جيث كان يُنادى عليه بـ”السي عزيز ولد الناس”، وكانت قراراته تحظى بالإعجاب والتقدير.
لكن بعد انتخابات 2021، تغيرت النغمة فجأة ، فلم يعد “ولد الناس”، بل أصبح هدفًا للانتقادات والاتهامات، في تحول سياسي سريع يفوق سرعة الضوء.
والحقيقة أنني هنا لا أدين بنكيران ولا أدافع عن أخنوش ، لأن القاعدة الذهبية في السياسة المغربية تقول: “ليس في القنافذ أملس”.
فإذا كانت حكومة الأمس قد تركت إرثًا من القرارات المثيرة للجدل، فإن حكومة اليوم لم تتأخر في إنتاج سريالتها الخاص المستحمرة للمواطن، فمن المشاهد التي تستحق التأمل، أن يطلب رئيس الحكومة من نفسه ومن شركاته حماية المواطن من ارتفاع أسعار المحروقات، وكأننا أمام حالة سياسية فريدة: الحكومة تطلب من الحكومة أن تراقب الحكومة!
وفي الوقت الذي ، تعتمد الحكومة نفسها سياسة “من لحيتو لقم ليه”، فتغض الطرف عن زيادات شركات المحروقات، بينما تتدفق مليارات الدعم من خزينة الدولة نحو كبار أرباب النقل، في حين يترك صغار المهنيين في مواجهة مباشرة مع المواطن: سائق الطاكسي، سائق التريبورتور، ناقل البضائع ، الحلقة الأضعف في سلسلة لا يتحملون مسؤولية قراراتها.
أما كبار الفاعلين ، فهم خارج دائرة الألم، داخل دائرة الأرباح، حيث تتحول الأزمات إلى فرص ذهبية لتراكم الثروات.
وهكذا، يجد المواطن المغربي نفسه في قلب مشهد سياسي غريب: حكومة الأمس تهاجم قراراتها ، وحكومة اليوم تبرر قراراتها ، والمواطن وحده يؤدي الفاتورة في الحالتين.
ويبقى السؤال المحير، الذي يتكرر مع كل موعد انتخابي: هل يمكن لصناديق الاقتراع القادمة أن تغير هذا الواقع في أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟ أم أن “المكتوب باين من عنوانه” وأن المسرحية ستستمر، مع تغيير الممثلين فقط، بينما النص نفسه لا يتغير؟