حول غلاء الكراء في المغرب ومطالب المواطنين بتدخل الدولة وعقلنة سوق الإيجار

بدر شاشا
أصبح موضوع غلاء الكراء في المغرب من أكثر القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تثير نقاشاً واسعاً داخل المجتمع، خصوصاً في المدن الكبرى التي تعرف ضغطاً سكانياً متزايداً وطلباً كبيراً على السكن. فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لعدد كبير من الأسر، أصبحت السومة الكرائية تمثل عبئاً ثقيلاً على ميزانية المواطنين، حيث يضطر العديد من الأسر إلى تخصيص نسبة كبيرة من دخلها الشهري لتغطية تكاليف السكن فقط.
خلال السنوات الأخيرة، شهد سوق العقار في المغرب ارتفاعاً تدريجياً في أسعار السكن، سواء من حيث الشراء أو الكراء. فقد أظهرت معطيات اقتصادية أن أسعار العقارات السكنية واصلت ارتفاعها خلال سنة 2025، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكاليف الإيجار، خاصة في المدن الحضرية التي تعرف طلباً مرتفعاً على السكن.
ويعزى هذا الارتفاع في السومة الكرائية إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. من أبرز هذه العوامل عدم التوازن بين العرض والطلب في سوق السكن، حيث أصبح الطلب على الشقق والمنازل المعدة للكراء يفوق العرض المتوفر، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل مستمر. كما أن تراجع عدد الشقق المعروضة للكراء ساهم في تعميق هذه المشكلة، خاصة بعد أن أصبح بعض الملاك يترددون في تأجير ممتلكاتهم خوفاً من النزاعات القانونية أو صعوبة استرجاع العقار في حالة حدوث مشاكل مع المكتري.
إضافة إلى ذلك، يواجه المواطن المغربي صعوبة متزايدة في اقتناء السكن بسبب ارتفاع أسعار العقار وغلاء القروض البنكية، مما يدفع شريحة واسعة من الأسر إلى اللجوء إلى الكراء كحل مؤقت أو دائم. وتشير معطيات رسمية إلى أن نسبة الأسر التي تعيش في مساكن مؤجرة ارتفعت في السنوات الأخيرة، حيث بلغت حوالي 19.7% من مجموع الأسر، مقابل تراجع نسبة الأسر المالكة لمساكنها مقارنة بالعقود الماضية.
هذا الواقع جعل الكثير من المغاربة يشعرون بأن الكراء أصبح يستنزف جزءاً كبيراً من دخلهم الشهري، خصوصاً بالنسبة للطبقة المتوسطة والطبقة ذات الدخل المحدود. ففي بعض المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش، قد يصل ثمن كراء شقة متوسطة إلى مستويات يصعب تحملها بالنسبة للموظفين أو الشباب في بداية مسارهم المهني.
أمام هذا الوضع، ترتفع الأصوات المطالبة بتدخل الدولة من أجل تنظيم سوق الكراء وإيجاد توازن بين حقوق المالك وحقوق المكتري. فعدد من المواطنين يطالبون بما يسمى “عقلنة الكراء”، أي وضع آليات واضحة تضمن تحديد السومة الكرائية بشكل معقول يتناسب مع مستوى الدخل ومع القيمة الحقيقية للعقار، مع منع الزيادات المبالغ فيها التي تثقل كاهل الأسر.
ويرى بعض الخبراء أن تدخل الدولة لا يعني بالضرورة فرض أسعار محددة بشكل صارم، بل يمكن أن يتم من خلال مجموعة من الإجراءات التنظيمية مثل تحسين القوانين التي تنظم العلاقة بين المالك والمكتري، وتشجيع الاستثمار في السكن المخصص للكراء، وتوفير حوافز ضريبية للملاك الذين يعرضون عقاراتهم للإيجار بشكل قانوني.
كما يمكن للدولة أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز عرض السكن من خلال دعم مشاريع السكن الاجتماعي أو تشجيع شركات عقارية على تطوير مشاريع مخصصة للكراء طويل الأمد. فكلما ارتفع العرض في السوق، كلما أصبح من الممكن تحقيق توازن أكبر في الأسعار.
ومن جهة أخرى، يطرح بعض المختصين فكرة إنشاء منصات أو مؤشرات رسمية للسومة الكرائية في المدن، بحيث يتم تحديد نطاق تقريبي للأسعار حسب المنطقة ونوع السكن ومساحته، وهو ما يساعد على الحد من الفوضى في الأسعار ويوفر شفافية أكبر داخل السوق العقارية.
ولا يمكن فصل أزمة الكراء عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية الأوسع التي يواجهها المجتمع المغربي. فارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وارتفاع أسعار العقار كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على القدرة على الحصول على سكن لائق. لذلك فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب رؤية شاملة تجمع بين السياسات السكنية والاقتصادية والاجتماعية. يبقى السكن أحد الحقوق الأساسية للمواطن، كما أنه عنصر أساسي للاستقرار الاجتماعي والأسري. ولذلك فإن عقلنة سوق الكراء وتنظيمه بشكل عادل ومتوازن يمثل خطوة مهمة نحو تحسين ظروف العيش في المغرب وضمان حق المواطنين في السكن الكريم دون أن يشكل ذلك عبئاً يفوق قدرتهم المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *