حين يتحوّل إهمال الثقافة إلى إنذار حضاري

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

ليست المدن مجرد إسمنتٍ وحجارة، ولا تُقاس عظمتها بعلوّ العمارات ولا باتساع الطرقات، بل تُعرف بروحها، والروح في المدن هي الثقافة، والفن، والذاكرة الحيّة التي تمنح المكان معنى يتجاوز الجغرافيا. وعندما تخفت هذه الروح، فإن المدينة لا تموت فجأة، بل تبدأ في الانطفاء ببطء… حتى تصبح مجرد اسمٍ على خريطة.
ذلك ما يلوح اليوم في الأفق الثقافي لمدينة فاس، المدينة التي كانت يومًا مرادفًا للعلم، ومشتلًا للفنون، ومنارةً للذوق الرفيع. فاس التي علّمت، وألهمت، وأنتجت أجيالًا من المبدعين، تجد نفسها اليوم أمام مشهد يثير القلق: فضاءات ثقافية مغلقة، دعمٌ متراجع، وفنانون يواجهون الصمت بدل الاحتفاء.
ليس الأمر مجرّد واقعة إدارية أو قرار تدبيري عابر، بل هو مؤشر على اختلال أعمق في ترتيب الأولويات. حين تُغلق أبواب المركّبات الثقافية، لا تُغلق قاعات فقط، بل تُغلق منافذ الحلم، وتُطفأ مصابيح الإبداع، ويُترك جيلٌ كامل في مواجهة فراغ ثقافي خطير.
إن الفن ليس ترفًا يُؤجَّل، ولا نشاطًا ثانويًا يُمارَس عند توفر الفائض، بل هو ضرورة اجتماعية وحضارية. فالمسرح، خصوصًا مسرح الطفل، ليس مجرد خشبة وعرض، بل مدرسة للقيم، ومختبر للخيال، ومساحة لبناء الإنسان. وعندما يُحرم الأطفال من هذه المساحات، فإننا لا نغلق بابًا ثقافيًا فحسب، بل نغلق نافذةً على المستقبل.
فاس ليست مدينة عادية يمكن أن تتحمّل هذا التراجع بصمت. إنها مدينة ذات رمزية تاريخية وثقافية، تحمل إرثًا حضاريًا يتجاوز حدودها الجغرافية. لذلك فإن تراجع الثقافة فيها لا يعني فقط أزمة محلية، بل يمثل خسارة وطنية، وربما حضارية.
المؤلم في المشهد ليس فقط ضعف الإمكانات، فذلك قد يكون مفهومًا في بعض السياقات، بل غياب الرؤية. فالمدن التي تؤمن بالثقافة تجد دائمًا طريقها إلى الإبداع، حتى في أصعب الظروف. أما المدن التي تتعامل مع الثقافة باعتبارها عبئًا، فإنها تدفع ثمن ذلك غاليًا، حين يتحول الفراغ الثقافي إلى فراغ اجتماعي، ثم إلى هشاشة قيمية.
إن الفنان، في نهاية المطاف، ليس مجرد صاحب مهنة، بل هو حامل رسالة. وعندما يضطر الفنان إلى رفع صوته احتجاجًا، فإن ذلك لا يعكس أزمة شخصية، بل يعكس خللًا في علاقة المدينة بثقافتها. فالفنان هو مرآة المجتمع، وإذا انكسرت المرآة، فإن الصورة تصبح مشوّهة.
اليوم، تحتاج فاس إلى أكثر من مجرد إعادة فتح فضاء ثقافي أو إطلاق دعم محدود. تحتاج إلى رؤية ثقافية متكاملة تعيد للفن مكانته، وللمبدع اعتباره، وللمدينة روحها التي كادت تخفت. تحتاج إلى إيمان حقيقي بأن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الإنسان، وفي المستقبل، وفي استقرار المجتمع نفسه.
إن المدن التي تتخلى عن ثقافتها تفقد تدريجيًا قدرتها على الإلهام، وتتحول من منارات إشعاع إلى مدن صامتة. وفاس، بتاريخها ومكانتها، لا تستحق هذا الصمت.
فهل تنتبه الجهات المسؤولة إلى أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة؟
وهل يُعاد للفن نبضه قبل أن يتحول الصمت إلى واقع دائم؟
يبقى الأمل قائمًا، ما دام هناك من يرفع صوته دفاعًا عن الثقافة، وما دام هناك من يؤمن بأن المدن لا تعيش فقط بالاقتصاد والإدارة، بل تعيش أيضًا بالفن… وبالحلم.
وفاس، التي كانت تغنّي يومًا، لا تزال قادرة على أن تغنّي من جديد… إن وُجد من يعيد إليها صوتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *