بوعلام صنصال يفتح جبهة قضائية ضد تبون: تصعيد غير مسبوق بين المثقف والسلطة في الجزائر

محمد جمال نخيلة

يشكل إعلان الكاتب الجزائري بوعلام صنصال عزمه مقاضاة الرئيس عبد المجيد تبون خطوة لافتة تعكس تحولا نوعيا في علاقة المثقف بالسلطة داخل الجزائر، وتكشف في الوقت ذاته عن عمق التوتر السياسي والحقوقي الذي يطبع المشهد العام في البلاد.
فخلال مشاركته في فعالية “يوم الكتاب السياسي” المنعقدة داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، لم يتردد صنصال في إعلان موقفه بشكل صريح، مؤكدا أنه سبق أن راسل الرئيس تبون من داخل السجن، متعهدا بمقاضاته في حال الإفراج عنه. هذا التصريح، الذي قوبل بتصفيق الحاضرين، يعكس إصرار الكاتب على تحويل معاناته الشخصية إلى معركة قانونية ذات بعد رمزي وسياسي.
من السجن إلى المواجهة القضائية :
صنصال، البالغ من العمر 81 عاما، لم يخفِ شعوره بالظلم، إذ اعتبر أن الحكم الصادر في حقه، والذي بلغ خمس سنوات سجنا، كان بمثابة “إعدام معنوي”، خاصة مع التهم الثقيلة التي وُجهت إليه، من قبيل الإرهاب والتجسس والمس بأمن الدولة.
هذه الاتهامات، في نظره، تندرج ضمن سياق تضييق أوسع على الأصوات المنتقدة، وهو ما دفعه للتأكيد على أنه لم يستفد من شروط محاكمة عادلة، سواء من حيث حضور الدفاع أو مراقبة الهيئات الدولية.
الأخطر في تصريحاته هو تأكيده أن المسطرة القضائية قد بدأت بالفعل، حيث أعد محاميه ملفا لرفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة غير مسبوقة من كاتب جزائري ضد رئيس في السلطة. ورغم أن هذا المسار يظل معقدا من الناحية القانونية، فإن مجرد الإعلان عنه يحمل دلالات سياسية قوية تتجاوز البعد القضائي.
أبعاد سياسية وحقوقية معقدة :
تحرك صنصال لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه الجزائر، حيث تتكرر الانتقادات المرتبطة بحرية التعبير ووضعية المعتقلين، ومن بينهم الصحافي كريستوف غليز، الذي يقضي عقوبة سجنية بتهم مرتبطة بالإرهاب.
هذا الربط الذي قام به صنصال بين قضيته وقضية غليز يوحي بأن الأمر لا يتعلق بحالة فردية، بل بمنظومة قضائية وسياسية يراها المعارضون غير منصفة.
كما أن توقيت الإعلان عن هذه الخطوة يطرح تساؤلات حول خلفياته، خاصة أنه يأتي بعد العفو الرئاسي الذي استفاد منه الكاتب في نونبر الماضي، وهو عفو اعتبره “غير مرضٍ”، بل ومخالفا لنهج “المقاومة” الذي يتبناه ضد النظام.
صراع داخل الحقل الثقافي :
اللافت أيضا هو قرار صنصال قطع علاقته مع دار النشر غاليمار، التي وقفت إلى جانبه خلال فترة اعتقاله، وانتقاله إلى غراسيه التابعة لمجموعة هاشيت ليفر.
هذا التحول لا يبدو مجرد قرار مهني، بل يعكس خلافا عميقا حول كيفية إدارة معركته، خاصة أن صنصال انتقد ما اعتبره مقاربة “دبلوماسية” لم ترقَ إلى مستوى المواجهة التي كان ينتظرها.
بين الرمزية والواقعية :
رغم أن إمكانية متابعة رئيس دولة أمام المحكمة الجنائية الدولية تبقى رهينة بشروط قانونية وسياسية معقدة، فإن خطوة صنصال تكتسي طابعا رمزيا قويا، إذ تعكس انتقال المثقف من موقع النقد إلى موقع المواجهة المباشرة عبر الآليات القانونية الدولية.
في المحصلة، لا تبدو هذه القضية مجرد نزاع شخصي، بل هي تعبير عن صراع أوسع بين حرية التعبير والسلطة، وبين منطق الدولة ومنطق المثقف المعارض. ومع إصرار صنصال على “متابعة القضية حتى النهاية”، فإن المرحلة المقبلة قد تحمل تداعيات تتجاوز حدود الجزائر، لتطرح من جديد سؤال استقلال القضاء وحرية الرأي في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *