حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن ملف المتقاعدين في المغرب يعيش هذه الأيام ما يشبه “الربيع السياسي”، أو بالأحرى “الربيع الموسمي”، الذي يزهر عادة كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، ثم لا يلبث أن يذبل بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع ، فجأة، تحولت هذه الفئة التي عاشت سنوات طويلة في الهامش إلى نجمة النقاش العمومي، وموضوع تصريحات الأحزاب، ومحور لقاءات النقابات، بل وحتى مادة دسمة للبرامج الإعلامية ، وكأن المتقاعدين لم يكونوا موجودين قبل هذا التوقيت، أو كأن أوضاعهم الاجتماعية الصعبة اكتُشفت للتو، كما تُكتشف كنوز أثرية مدفونة تحت رمال السياسة.
فهل نحن أمام صحوة ضمير جماعي؟ أم أمام صحوة انتخابية بامتياز؟
لأن الحقيقة التي يعرفها المتقاعدون جيدًا، هي أن ملفهم لم يكن يومًا ملفًا تقنيًا فقط، بل ملف كرامة وأخلاق واعتراف بسنوات طويلة من العمل وخدمة الدولة والمجتمع، لكن، ولعقود، جرى التعامل مع هذه الفئة وكأنها خرجت من “دائرة الاهتمام” بمجرد مغادرتها الوظيفة، وكأن التقاعد نهاية المواطنة لا نهاية العمل فقط.
وعلى امتداد سنوات، ظلت الحكومات المتعاقبة تتفنن في إبداع صيغ جديدة لحرمان المتقاعدين من أي تحسن في أوضاعهم، ليس عبر الرفض المباشر، بل عبر أساليب أكثر “إبداعًا”: زيادة في التعويضات بدل الأجور ، إصلاحات تقنية لا تشمل المتقاعدين ، حوار اجتماعي ينسى من أنهى حياته المهنية ، ثم يُقال بعد ذلك: “لم نقص أحدًا”!
وهكذا، تحولت الزيادات إلى “مناسبات خاصة” بالموظفين النشيطين، بينما ظل المتقاعدون يراقبون المشهد من بعيد، وكأنهم ضيوف غير مرغوب فيهم على مائدة الحوار الاجتماعي.
لكن فجأة ،تغير المشهد.
الملف الذي ظل مؤجلًا لعقود، أصبح فجأة في صدارة النقاش العمومي: التصريحات تتوالى، والوعود تتكاثر، والاهتمام يتصاعد ، وكأن آلاف المتقاعدين لم يكونوا يعانون من قبل، وكأن غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية لم يطرق أبوابهم إلا هذا العام.
غير أن الواقع الاجتماعي المتراكم لم يعد يحتمل التأجيل، آلاف المتقاعدين يجدون أنفسهم اليوم في قلب معادلة قاسية: غلاء متصاعد ، معاشات جامدة ، تكاليف صحية مرتفعة ، وهشاشة معيشية تتفاقم مع مرور السنوات.
وهنا، بدأ المتقاعد يتحول من “رقم اجتماعي” إلى “رقم انتخابي”.
بعد أن أدركت الأحزاب، متأخرة ربما، وأن كسب ثقة الناخب لم يعد يمر عبر الشعارات العامة، ولا عبر البرامج الفضفاضة، بل عبر قضايا ملموسة تمس الحياة اليومية، وفي مقدمة هذه القضايا، أوضاع المتقاعدين الذين لم يعودوا فئة هامشية، بل أصبحوا كتلة ناخبة وازنة.
فإذا علمنا أن عدد المتقاعدين يفوق المليونين، وأن محيط كل متقاعد يتراوح بين خمسة وعشرة ناخبين، فإننا أمام كتلة انتخابية قد تفوق عشرة ملايين صوت محتمل، وهو رقم يجعل الأحزاب تعيد حساباتها بسرعة تفوق سرعة ارتفاع الأسعار.
وهكذا، لم يعد المتقاعد مجرد متلقٍ للوعود، بل أصبح فاعلًا انتخابيًا قادرًا على معاقبة أو مكافأة الفاعلين السياسيين. ولم يعد صوته صامتًا، بل بدأ يتحول إلى ضغط ميداني وتنظيمي واضح.
والمتقاعدون، على عكس ما قد يعتقد البعض، يمتلكون ذاكرة قوية، بل ذاكرة “سياسية” طويلة ، تذكر جيدًا أن حكومة عبد اللطيف الفيلالي، غير المنتمية لأي حزب، أقرت زيادة في المرتب الأساسي ابتداءً من فاتح يوليوز 1997، استفاد منها الموظفون ومتقاعدو القطاع العام وذوو حقوقهم.
وتتذكر أيضًا أن حكومة عباس الفاسي أقصت متقاعدي القطاع العام من زيادة 600 درهم سنة 2011، بعدما حُوّلت إلى تعويضات استفاد منها الموظفون فقط.
كما تتذكر أن حكومة سعد الدين العثماني أقصت المتقاعدين من زيادة 500 درهم سنة 2020، بنفس الطريقة تقريبًا.
ولا تنسى أن حكومة عزيز أخنوش بدورها أقصت المتقاعدين من زيادة 1000 درهم، مقسمة إلى شطرين في 2024 و2025، بعدما خُصصت للموظفين فقط.
وإذا كانت السياسة تقوم على الذاكرة القصيرة، فإن المتقاعدين، على ما يبدو، يمتلكون ذاكرة طويلة وهادئة، ولكنها قد تكون حاسمة يوم الاقتراع.
فما يجري اليوم هو تداخل واضح بين ضرورة اجتماعية ملحّة وبراغماتية سياسية صريحة. تتمثل في رغبة الأحزاب استعادة الثقة، وسعي المتقاعدين في استعادة الكرامة،، الأمر الذي سيظل الفيصل الحقيقي فيه هو الأفعال لا الأقوال.
فإما أن تتحول هذه “الصحوة” إلى قرارات ملموسة تعيد الاعتبار للمتقاعدين، أو يتأكد مرة أخرى أن الأمر مجرد تكتيك انتخابي مؤقت، سرعان ما يتبخر بعد إعلان النتائج.
ومن يراهن على كسب ود هذه الفئة دون قرارات حقيقية، يغامر بفقدان رصيد انتخابي ثمين. ومن ينصت بجدية وينصف، قد يكسب ثقة ممتدة تتجاوز الاستحقاقات الآنية.
فالرسالة واضحة اليوم: تؤكد على أن زمن تهميش المتقاعدين يقترب من نهايته، وأن زمن المحاسبة عبر صناديق الاقتراع قد بدأ يلوح في الأفق.
ولعل السؤال الساخر الذي يطرحه المتقاعدون اليوم هو: هل أصبحت الشيخوخة شرطًا للحصول على الاهتمام السياسي؟أم أن الكرامة؟ مثلها مثل الوعود التي تُصرف فقط في المواسم الانتخابية؟
والأيام القادمة وحدها ستجيب ، لكن المتقاعدين هذه المرة لا يبدون مستعدين للانتظار ولا للنسيان.