حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
قرأت هذا الصباح مقالـتين الأولى للصحفي المتزن “علي أنوزلا” والثانية لمتميزة “ميمونة الحاج داهي” حول “الفساد ومساءلة البنية الذهنية والسياسية التي تنتجه وتحميه” فكانتا نموذجًا واضحًا لتحوّل النقاش العمومي فيهما من مجرد التداول.
فبينما ركّز أنوزلا على تفكيك خطاب نزار بركة وربطه بشبهة تضخم الثروة واستعمال “الوطنية” كدرع ضد المحاسبة، ذهبت ميمونة الحاج داهي أبعد من ذلك، معتبرة أن أصل الأزمة ليس فقط في “المليار كاش”، بل في العقلية الأرستقراطية التي ما تزال تتحكم في جزء من النخبة السياسية المغربية.
منذ البداية، يضع أنوزلا القارئ أمام مفارقة صارخة: وزير ظل لسنوات يوصف بالهدوء والصمت، يتحول فجأة إلى شخصية هجومية تتحدث بلغة “المؤامرات” و“خفافيش الظلام” و“الأمن الاستراتيجي”. هنا لا يتعامل الكاتب مع غضب نزار بركة باعتباره مجرد انفعال شخصي، بل باعتباره مؤشرًا سياسيًا على طبيعة العلاقة المتوترة بين السلطة والمساءلة. فحين يصبح السؤال عن مصدر المال تهديدًا للأمن القومي، فإن الخطاب السياسي يكون قد انزلق من منطق التوضيح إلى منطق التخويف.
أنوزلا يعتمد أسلوبًا مباشرًا وصداميًا، ويطرح الأسئلة التي يرى أن الوزير تهرب منها: من أين جاء المبلغ؟ ولماذا دُفع نقدًا؟ ولماذا لم تُقدَّم وثائق بسيطة تُنهي الجدل؟
هذه الأسئلة ليست، في نظر الكاتب، مجرد تفاصيل مالية، بل اختبار حقيقي لمفهوم الشفافية داخل الدولة. لذلك يحاول أنوزلا إظهار التناقض بين خطاب “حماية المؤسسات” وبين واقع يُنظر فيه إلى أي مساءلة باعتبارها استهدافًا للوطن نفسه.
لكن قوة مقالة ميمونة الحاج داهي تكمن في أنها لم تتوقف عند الواقعة، بل انتقلت إلى تشريح الذهنية التي تنتج هذا النوع من ردود الفعل. فهي ترى أن الأزمة أعمق من قضية عقار أو مبلغ مالي، لأننا – حسب تعبيرها – أمام “أرستقراطية سياسية” تعتبر الثروة امتيازًا طبيعيًا، وترى في مجرد السؤال عنها نوعًا من التعدي على مقامها الرمزي.
وهنا يظهر الفرق بين المقالتين: أنوزلا يشتغل على مستوى الفضيحة السياسية، بينما ميمونة تشتغل على مستوى البنية الثقافية للسلطة.
الأول يركز على تناقضات الخطاب الرسمي، والثانية تكشف الخلفية النفسية والاجتماعية لذلك الخطاب.
فحين تقول ميمونة إن بركة “تحدث كأحد ورثة الدولة الغاضبين لأن العامة اقتربوا من الأسوار”، فهي لا تنتقد شخص الوزير فقط، بل تنتقد نموذجًا سياسيًا كاملًا ما يزال يتعامل مع السلطة باعتبارها امتيازًا طبقيا لا وظيفة عمومية. ولهذا اعتبرت أن أخطر ما في القضية ليس “المليار كاش”، بل الشعور الضمني بأن المسؤول فوق الشبهة أصلًا.
اللافت أيضًا أن الكاتبين يلتقيان عند نقطة محورية: تحويل النقاش من الفعل إلى من كشف الفعل ، فبدل أن يصبح السؤال الأساسي: “هل هناك تضخم غير مبرر في الثروة؟”، يتحول الجدل إلى: “من يقف وراء التسريب؟ ومن يحرك الحملة؟”.
وهنا يبدو هذا التحول، كما تشير المقالتان معًا، ليس بريئًا، بل هو تقنية سياسية قديمة تهدف إلى نقل مركز الاهتمام من جوهر الاتهام إلى التشكيك في من أثاره.
وتبرز هنا قضية أكثر حساسية تتعلق بازدواجية تطبيق مفهوم “هيبة الدولة”. فالمواطن البسيط يخضع يوميًا للمراقبة والضرائب والتصريحات والتدقيق، بينما يصبح الاقتراب من ثروة مسؤول نافذ نوعًا من “التطاول على المؤسسات”. وهذا ما دفع ميمونة إلى القول إن بعض النخب لا ترى القانون ميزانًا موحدًا، بل أداة تختلف حسب الموقع الاجتماعي والسياسي للشخص.
كما تكشف المقالتان عن التحول الكبير الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب. فهذه المنصات، رغم ما يحيط بها من فوضى ومبالغات أحيانًا، كسرت جزءًا من “الهالة التقليدية” التي كانت تحيط بالسياسيين. لم يعد الوزير في نظر فئات واسعة شخصية بعيدة عن المساءلة، بل موظفًا عموميًا من حق المواطنين أن يسألوه عن المال والامتيازات وتضارب المصالح. وربما لهذا السبب بدا غضب نزار بركة، في نظر الكاتبين، أكبر من مجرد رد فعل على اتهام عابر؛ لأنه يعكس صدمة جزء من النخبة السياسية أمام مجتمع بدأ يتخلص تدريجيًا من رهبة السلطة الرمزية.
في العمق، لا تتعلق المقالتان بشخص نزار بركة وحده، بل بأزمة ثقة أوسع بين المواطن والطبقة السياسية في المغرب. فحين يشعر المواطن أن المسؤولين يطالبونه بالتضحية والصبر والتقشف، بينما تتضخم ثروات بعضهم دون تفسير واضح، يصبح الغضب الاجتماعي أمرًا طبيعيًا. وحين يُقابل هذا الغضب بالتخوين والحديث عن “المؤامرات”، تتعمق الفجوة أكثر بين الدولة والمجتمع.
لهذا يمكن القول إن مقالة أنوزلا فتحت باب الأسئلة السياسية المباشرة، بينما جاءت ميمونة الحاج داهي لتمنح تلك الأسئلة بعدًا فكريًا واجتماعيًا أعمق. الأولى صاغت الاتهام السياسي، والثانية شرحت العقلية التي تجعل بعض المسؤولين يعتبرون المساءلة إهانة شخصية لا حقًا ديمقراطيًا مشروعًا.
وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لهاتين المقالتين لا تكمن فقط في انتقاد مسؤول حكومي، بل في إعادة طرح سؤال جوهري ظل معلقًا في المغرب منذ سنوات: هل ما تزال السلطة تُمارَس باعتبارها خدمة عمومية خاضعة للمحاسبة، أم باعتبارها امتيازًا فوق النقد والسؤال؟