بين الإسلامي والماركسي: هل يصنع “تحالف الضرورة” بديلاً سياسياً في المغرب؟

• حميد طولست.
• كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

من أغرب المشاهد التي تختصر حجم التناقض والعبث الذي تفرضه الكثير من اللحظات السياسية ، تلك التحالفات التي تبدو مستحيلة نظريًا، لكنها تصبح ممكنة عمليًا عندما يتقاطع الخصوم حول هدف واحد، ولو اختلفت منطلقاتهم وغاياتهم. هذا ما يفسّر، إلى حد بعيد، التقارب الذي بات يطفو على سطح المشهد المغربي بين جماعة العدل والإحسان ذات المرجعية الإسلامية الراديكالية، وبين النهج الديمقراطي الذي يمثل أحد أبرز تعبيرات اليسار الماركسي الراديكالي بالمغرب.
ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن الطرفين كانا، لعقود طويلة، في حالة صراع إيديولوجي حاد، خاصة داخل الجامعات المغربية، حيث تحوّلت الساحات الطلابية إلى فضاءات مواجهة مفتوحة بين الإسلاميين واليساريين، وصلت أحيانًا إلى مستويات عنيفة من التناحر السياسي والفكري. غير أن التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة دفعت هذا “العدوين التقليديين” إلى إعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مساحات مشتركة للعمل والتنسيق.
ورغم التناقض الجذري بين المشروعين، فإن ما يجمعهما اليوم يبدو أكبر من خلافاتهما القديمة: معارضة النظام السياسي، ورفض اختيارات الدولة في عدد من الملفات، والإيمان المشترك بفكرة “التغيير الجذري”.
فالعدل والإحسان ترى التغيير من زاوية “القومة” ذات البعد الديني، باعتبارها مدخلًا لإقامة الدولة الإسلامية ضمن تصور أممي للخلافة الإسلامية. بينما يطرح النهج الديمقراطي مفهوم “الثورة” بمنظور ماركسي قائم على الصراع الطبقي والانتصار للفئات المهمشة ضد الرأسمالية والهيمنة الاقتصادية.
لكن، وعلى الرغم من اختلاف المرجعيات، فإن الطرفين يلتقيان في قناعة واحدة: أن الأحزاب التقليدية فقدت قدرتها على التأثير، وأن المجال السياسي يعيش حالة فراغ أو أزمة تمثيلية تفتح المجال أمام قوى احتجاجية جديدة.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل يستطيع هذا التقارب أن يتحول إلى قوة سياسية مؤثرة فعلًا داخل المغرب؟
الواقع السياسي المغربي يوحي بعكس ذلك. فالملكية المغربية تبدو اليوم في واحدة من أكثر مراحلها قوة واستقرارًا، سواء من حيث الشرعية التاريخية والدينية، أو من حيث التحكم في التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما أن الدولة استطاعت، خلال العقدين الأخيرين، امتصاص كثير من الهزات والاحتجاجات، وإعادة تشكيل الحقل السياسي بطريقة جعلت هامش المناورة أمام القوى الراديكالية أضيق مما كان عليه سابقًا.
لقد تغيرت شروط الاشتغال السياسي في المغرب. فبعد مرحلة كان فيها الشارع يشكل عنصر ضغط حقيقي، أصبحت الدولة أكثر قدرة على إدارة التوازنات، وأكثر تحكمًا في المجالين السياسي والمؤسساتي. كما أن التحولات الإقليمية، خاصة ما عرفته بعض دول المنطقة بعد موجات “الربيع العربي”، جعلت جزءًا مهمًا من المجتمع المغربي يضع الاستقرار فوق أي مغامرة سياسية غير مضمونة النتائج.
ومن هنا، يبدو أن تحالف الإسلاميين الراديكاليين مع الماركسيين الراديكاليين أقرب إلى “تحالف ضرورة” منه إلى مشروع سياسي قابل للحياة. إنه تقاطع ظرفي فرضه ضعف الطرفين أكثر مما فرضته قوة الفكرة المشتركة. فلا الإسلاميون نجحوا في تعبئة المجتمع نحو مشروع “القومة”، ولا الماركسيون استطاعوا إقناع الشارع بخيار “الثورة”.
أما القاسم المشترك الأكثر وضوحًا بينهما، إلى جانب الموقف من النظام السياسي، فهو القضية الفلسطينية؛ إذ يمنحها كل طرف حمولة إيديولوجية مختلفة: الإسلاميون يعتبرونها قضية دينية وأممية، بينما يراها اليسار قضية تحرر قومي وإنساني. غير أن هذا التقاطع الرمزي وحده لا يكفي لبناء مشروع سياسي متكامل قادر على منافسة الدولة أو تشكيل بديل حقيقي داخل المجتمع.
في النهاية، قد ينجح هذا التقارب في خلق ضجيج سياسي أو تعبئة احتجاجية ظرفية، لكنه يظل بعيدًا عن القدرة على إنتاج بديل مجتمعي واسع. فالمعادلة السياسية المغربية اليوم لا تُدار فقط بمنطق المعارضة التقليدية، بل بمنطق التحكم في التوازنات الكبرى، وهو ما يجعل أي مشروع راديكالي، مهما اختلف لونه الإيديولوجي، يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيدًا وصلابة مما يتصوره أصحابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *