أيوب بوعدي يعيد اكتشاف المعنى الجميل لكرة القدم

ما تزال الحياة، رغم كل ما يحيط بها من صخب وإحباطات، قادرة على أن تفاجئنا بلحظات نادرة تعيد إلينا الإيمان بأن الفرح يمكن أن يزور البشر فجأة، من دون موعد أو مقدمات ، هكذا كان الحال في تلك الأمسية الكروية التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره البرازيلي، حيث لم يكن الانتصار وحده هو الحدث، ولا حتى الهدف الذي سجله الصيباري، والذي انفجر كقنبلة في معسكر المنتخب البرازيلي، بل كان الحدث الأكبر ظهور لاعب شاب اختطف الأضواء، وسرق أنظار الجماهير والصحافة العالمية، في غفلة من الجميع.
إنه أيوب بوعدي، ذلك الفتى الذي أعاد إلى الجماهير المغربية متعة افتقدتها طويلًا؛ متعة رؤية لاعب يداعب الكرة بحنان فنان يعرف قيمة ما يصنعه، ويجعل أصعب المهام تبدو في غاية البساطة ، حين يجعل الكرة تنساب بين قدميه بخفة، وتتحرك وكأنها جزء من كيانه، تتجاوز الخصوم بذكاء وهدوء وثقة، فتوقظ في المتفرج ذلك الشعور النادر الذي لا تصنعه إلا كرة القدم الجميلة: من الرعشة الخفيفة التي تسري في الجسد، والتنميل الغريب يشبه التيار الكهربائي، إلى الأمنية صامتة بأن تتوقف عقارب الساعة قليلًا حتى لا تنتهي تلك اللحظات التي لا يبحث الإنسان عن نتيجة المباراة بقدر ما يبحث عن لذة الفرجة الخالصة ، التي يحاول من اجلها مساومة الزمن، ويقنعه بمنحه دقيقة إضافية، لتمتع بلمسة أخرى للكرة، مراوغة جديدة، هجمة أخرى، أو نظرة أخيرة إلى ذلك الإيقاع الساحر الذي كانت تعزفه أقدام بوعدي والعيناوي وحكيمي فوق المستطيل الأخضر، الأمنية التي لا يصغي الزمن فيها لأحد، السبب الذي وربما يجعل اللحظات الجميلة العابرة تصبح أكثر رسوخًا في الذاكرة؛ ، وتترك خلفها صدى لا يخبو.
لقد تحولت تلك المباراة، ولو للحظات، إلى وطن كامل ينبض بقلب واحد، وكأن أقدام اللاعبين كانت تعزف سمفونية خفية لا تراها العيون، لكنها تصل مباشرة إلى القلوب، مع كل تمريرة وكل حركة وكل مراوغة، التي كانت الجماهير تشعر معها بأن الإبداع لا يزال قادرًا على صناعة الدهشة، وأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل لغة جمالية مشتركة توحد المشاعر وتصنع الفرح الجماعي ، التي لم يكن فيها أيوب بوعدي ، هذا الشاب الأمازيغي المتحدر من مدينة تزنيت، والذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، مجرد موهبة كروية استثنائية، بل هو أيضًا قصة نجاح متكاملة، جمع بين التألق الرياضي والتفوق العلمي في صورة نادرة، فقد حصل على شهادة البكالوريا العلمية في فرنسا بميزة ممتازة وهو في السادسة عشرة من عمره، بعد مسار دراسي متميز مكنه من تجاوز سنة كاملة في مراحل مبكرة من تعليمه ، كما تُوج سنة 2023 بجائزة وطنية فرنسية في فن الخطابة والإلقاء، وتسلم جائزته بقصر الإليزيه، وهو يواصل اليوم دراسته الجامعية في تخصص الرياضيات بالتوازي مع مسيرته الكروية مع نادي ليل الفرنسي والمنتخب المغربي.
ولعل أجمل وصف قيل فيه هو ما كتبه الأديب والشاعر صلاح الوديع حين أطلق عليه لقب: “طائر سنونو في ملعب كرة القدم”، وكتب عنه بكلمات بديعة: “لم يكن يراوغ، كان يرقص على إيقاع كمان.
لم يكن يخطو، كان يرفرف.
لم يكن يلمس الكرة، كان يغازلها.
لم يكن يمررها، كان يهديها. ”
إنها شهادة من رجل أدب وفكر، أدرك أن ما يفعله بوعدي على أرضية الملعب يتجاوز حدود الأداء الرياضي إلى مساحة الفن والإبداع.
إن قصة أيوب بوعدي تذكرنا بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: حين تتوفر البيئة المناسبة، ويجتمع العمل الجاد بالموهبة، فإن الإبداع يتفتح في أعلى مستوياته ، والمغربي، متى أتيحت له الفرصة، قادر على أن يبدع في كل المجالات؛ في الرياضة كما في الاقتصاد والصناعة والفلاحة والتكنولوجيا والبحث العلمي وحتى الصناعات العسكرية.
ولعل المغاربة اختصروا هذه الفكرة كلها في مثل شعبي بليغ يقول: “اللي عندو… عندو”. غير أن ما يملكه أيوب بوعدي ليس الموهبة وحدها، بل الإرادة، والانضباط، والعلم، والتواضع، والإيمان بأن النجاح لا يولد صدفة، وإنما يصنعه الاجتهاد.
بوركت يا أيوب، وبوركت كل طاقة شابة تجعلنا نؤمن بأن هذا الوطن لا يزال قادرًا على إنجاب المبدعين، وأن المستقبل قد يحمل لنا دائمًا مفاجآت أجمل مما نتوقع ، “وديما مغرب”.
حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *