بدر شاشا
يشهد المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات اقتصادية واجتماعية وتنموية مهمة، فقد أطلق مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية، والموانئ، والطاقات المتجددة، والصناعة، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، والتحول الرقمي، وهو ما ساهم في تعزيز مكانته الإقليمية والقارية. غير أن هذه الإنجازات لا تلغي وجود تحديات هيكلية متراكمة تؤثر في وتيرة التنمية وفي قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو أكثر شمولًا واستدامة.
إن التنمية ليست مجرد ارتفاع في الناتج الداخلي الخام أو تشييد الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على الإنسان باعتباره محور التنمية وهدفها الأساسي. ولذلك فإن أي اختلال في التعليم أو الصحة أو التشغيل أو الحكامة أو العدالة الاجتماعية ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والاستثمار والاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة.
يشكل التعليم الأساس الحقيقي لبناء الأمم. فالدول التي استطاعت تحقيق قفزات اقتصادية كبيرة لم تعتمد على الموارد الطبيعية وحدها، وإنما استثمرت قبل كل شيء في الإنسان، وفي المدرسة، والجامعة، والبحث العلمي، والتكوين المهني. ويواجه المغرب تحديات متعددة في هذا المجال تتمثل في تفاوت جودة التعليم بين المناطق، وضعف اكتساب اللغات والمهارات الرقمية، وعدم توافق عدد من التخصصات الجامعية مع حاجيات سوق الشغل، إضافة إلى ارتفاع نسب الهدر المدرسي في بعض الأوساط، خاصة بالعالم القروي. ويؤدي ذلك إلى إنتاج أعداد كبيرة من الخريجين الذين يجدون صعوبة في الاندماج المهني، بينما تعاني بعض القطاعات الاقتصادية من نقص الكفاءات التقنية والمتخصصة.
ويمثل إصلاح التعليم مدخلًا رئيسيًا لإصلاح باقي القطاعات، وذلك من خلال تحديث المناهج الدراسية، وتعزيز التفكير النقدي والابتكار، وربط التعليم بسوق الشغل، وتطوير التكوين المهني، والاستثمار في تكوين الأساتذة، وتحسين البنيات التحتية للمؤسسات التعليمية، وتعميم التعليم الأولي، وتطوير التعليم الرقمي، وتشجيع البحث العلمي داخل الجامعات.
وترتبط البطالة ارتباطًا وثيقًا بجودة التعليم وببنية الاقتصاد الوطني. فارتفاع بطالة الشباب، وخاصة حاملي الشهادات، يمثل تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا، لأنه يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وإضعاف القدرة الشرائية، وتأخير تكوين الأسر، وارتفاع معدلات الهجرة، وضياع جزء من الرأسمال البشري الذي استثمرت الدولة في تكوينه. كما ينعكس ذلك على الاستقرار الاجتماعي وعلى ثقة الشباب في المستقبل.
وتتطلب مواجهة البطالة تشجيع الاستثمار المنتج، وتحفيز المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتبسيط إجراءات إنشاء المقاولات، وتطوير الاقتصاد الرقمي، ودعم المقاولات الناشئة، وربط التكوين بحاجيات القطاعات الصناعية والفلاحية والخدماتية، مع تعزيز برامج ريادة الأعمال والابتكار.
ويظل الاقتصاد غير المهيكل من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، حيث يشغل عددًا كبيرًا من العاملين خارج المنظومة القانونية، مما يحرم الدولة من جزء مهم من المداخيل الضريبية، ويؤثر على المنافسة العادلة، ويحرم العمال من الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتقاعد. كما يصعب معه التخطيط الاقتصادي الدقيق بسبب غياب المعطيات الكاملة.
ويقتضي إدماج هذا القطاع اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على تبسيط المساطر، وتخفيض كلفة الاندماج، وتحفيز التجار والحرفيين على التسجيل القانوني، وربط ذلك بالحماية الاجتماعية والتمويل البنكي والتكوين.
وتظل الفوارق المجالية والاجتماعية من أبرز القضايا المطروحة، إذ لا تزال بعض المناطق القروية والجبلية تعاني من ضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والنقل والماء الصالح للشرب والإنترنت، بينما تعرف المدن الكبرى تركيزًا أكبر للاستثمارات والخدمات. ويؤدي ذلك إلى الهجرة الداخلية والضغط على المدن وظهور اختلالات عمرانية واجتماعية.
إن تقليص هذه الفوارق يتطلب توزيعًا أكثر عدالة للاستثمارات، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وتحسين البنيات التحتية بالمناطق النائية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتطوير الاقتصاد القروي والسياحة القروية والصناعات التقليدية والفلاحة ذات القيمة المضافة.
أما القطاع الصحي، فقد عرف إصلاحات مهمة، إلا أنه لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بنقص الموارد البشرية، والتفاوت في توزيع الأطباء، والضغط على المستشفيات، والحاجة إلى تحديث التجهيزات الطبية، وتعزيز الطب الوقائي، وتطوير الرقمنة الصحية، وتحسين حكامة المنظومة الصحية.
وتشكل ندرة المياه والجفاف أحد أكبر التحديات المستقبلية للمغرب، في ظل التغيرات المناخية وتراجع التساقطات المطرية. ويؤثر ذلك على الفلاحة، والأمن الغذائي، والصناعة، والسياحة، والموارد الطبيعية. ولذلك أصبح الاستثمار في تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتحديث شبكات الري، وبناء السدود، وترشيد الاستهلاك، وحماية الفرشات المائية ضرورة استراتيجية.
كما تؤثر البيروقراطية وتعقيد بعض المساطر الإدارية على مناخ الأعمال، حيث يحتاج المستثمر إلى السرعة والوضوح والشفافية. وكل تأخير في منح التراخيص أو معالجة الملفات يرفع تكلفة الاستثمار ويؤثر على تنافسية الاقتصاد الوطني. ولذلك فإن الرقمنة، وتبسيط الإجراءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، تمثل أدوات أساسية لتحسين الحكامة.
ويعد الفساد وسوء تدبير الموارد من العوامل التي قد تؤثر سلبًا على فعالية السياسات العمومية، إذ يؤديان إلى هدر الموارد وتقليص ثقة المواطنين والمستثمرين. وتعزيز الشفافية، وتفعيل آليات المراقبة، ودعم استقلالية المؤسسات الرقابية، واعتماد الإدارة الرقمية، كلها إجراءات تساهم في الحد من هذه الظواهر.
كما أن اعتماد المغرب على استيراد جزء من احتياجاته من الطاقة وبعض المواد الأولية يجعله أكثر تأثرًا بتقلبات الأسواق الدولية. ولهذا يبرز الاستثمار في الطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعة المحلية، والأمن الغذائي، باعتباره خيارًا استراتيجيًا لتقوية السيادة الاقتصادية.
ولا يمكن لأي اقتصاد أن ينافس عالميًا دون البحث العلمي والابتكار. فالجامعات ومراكز البحث مطالبة بالارتباط المباشر بالمقاولات والصناعة، وتشجيع تسجيل براءات الاختراع، وتمويل المشاريع الابتكارية، وتحويل المعرفة العلمية إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة.
إن مستقبل المغرب يعتمد على الاستثمار في الإنسان قبل الحجر، وعلى بناء إدارة فعالة، وتعليم حديث، وصحة قوية، واقتصاد منتج، وعدالة مجالية، وتشجيع الابتكار، وترسيخ الحكامة الجيدة، حتى تصبح التنمية شاملة ومستدامة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق الازدهار للأجيال القادمة.