حميد طولست.
فأجيب بصراحة ، أنني لا أكتب عن فاس لأقول إن الماضي كان أجمل ولا لأقارن بين زمنين، وإنما كتبته حتى لا تضيع الوجوه التي جعلت مدينةً اسمها فاس تسكن طفلًا صغيرًا، ثم بقيت تسكن الرجل الذي صار إليه.”
فالزمن لا يقاس بالجمال والقبح، وإنما بما يتركه في نفوسنا من أثر.
ولم أكتبه لأقارن بين فاس الأمس وفاس اليوم، فلكل زمن روحه، ولكل جيل أحلامه وأسئلته، وما كان يصلح لنا بالأمس ليس بالضرورة ما يصلح لأبنائنا اليوم.
ولست أكتب دفاعًا عن مدينة، ولا رثاءً لها.
فالمدن، مثل البشر، لا تبقى على حال واحدة. تتغير شوارعها، وتتبدل وجوهها، ويغيب عنها أناس، ويأتي إليها آخرون، لكنها لا تموت ما دام هناك من يحملها في قلبه.
إنما أكتب هذا خوفًا من النسيان.
أكتب حتى لا تضيع الوجوه التي صنعت طفولتي، ثم مضت في صمت، دون أن تترك وراءها إلا أثرًا في القلوب.
أكتب عن أبي، وأمي، وجدي، وجدتي “مي لالى”، وعن الجيران الذين كانوا أهلًا قبل أن يكونوا جيرانًا، وعن الفقيه، ، وعن “لمسيد “وعن “الفرّان”، والطراح ،والgراب، والخضار و”الطراف”، وعن الحكام ، وعن “الكسالة أو الطيابة” وعن “الجوطية” .وكل أولئك الذين لم يكتب التاريخ أسماءهم، لكنهم كتبوا شيئًا من شخصيتي، ومن شخصية مدينة اسمها فاس.
أكتب عن الأزقة التي حفظت خطواتنا، وعن الأسواق التي علمتنا أكثر مما علمتنا الكتب، وعن الحمام الذي جمع الناس قبل أن تفرقهم الحياة، وعن المسيد الذي علّمنا الحرف، وعن القصبة التي كانت، بالنسبة إلى الطفل الذي كنته، الدنيا كلها.
ولست أدري، وأنا أكتب هذه الصفحات، أأستعيد المدينة أم تستعيدني هي؟
فكلما هممت أن أصف مكانًا، خرج منه وجه.
وكلما أردت أن أتحدث عن بيت، سمعت صوتًا.
وكلما كتبت عن زقاق، امتدت نحوي يد دافئة، كأنها يد “مي لالى”، تمسك بيدي من جديد، وتقول لي: “تعال… سأريك فاس كما عرفتها.”
فأدركت متأخرًا أنني لم أعرف فاس وحدي.
عرفتها بعيني أبي، حين كان يعلمني معنى الكرامة.
وعرفتها بقلب أمي، حين كانت تجعل من البيت وطنًا صغيرًا.
وعرفتها بخطوات جدي الهادئة، وبحكمة الشيوخ الذين كانوا يرون في التجربة مدرسة لا تقل شأنًا عن الكتب.
أما “مي لالى”، فلم تكن جدتي فحسب.
كانت أول نافذة أطللت منها على المدينة.
ومن خلالها تعلمت أن الأسواق ليست أماكن للبيع والشراء فقط، وأن الجيرة ليست تقارب بيوت، وأن الخبز ليس طعامًا وحده، وأن الكلمة الطيبة قد تكون أثمن مما يُشترى بالمال.
لهذا، فإن هذا الكتاب ليس كتابًا عن فاس وحدها.
إنه كتاب عن الإنسان الذي صنعته فاس.
عن الطفل الذي خرج من باب دار في القصبة، يركض خلف جدته، وهو لا يعلم أن كل خطوة يخطوها في أزقة المدينة، كانت تترك في داخله أثرًا سيبقى معه حتى آخر العمر.
ولعل القارئ لن يجد في هذه الصفحات مدينة كما يصفها المؤرخون، ولا كما يقدمها المرشدون السياحيون.
سيجد مدينة كما سكنت طفلًا صغيرًا…
ثم بقيت تسكن الرجل الذي صاره بعد عقود .
خلاصة المقال أن هذا الكتوب ليس عن الماضي، ولا محاولة لاستعادته ، إنه محاولة لإنقاذ ما لا ينبغي أن يضيع.
فالمدن لا تحفظها الأسوار وحدها، ولا القباب، ولا الأبواب العتيقة، وإنما يحفظها الناس الذين عاشوا فيها، ثم مضوا، تاركين وراءهم شيئًا لا تدونه كتب التاريخ، ولا تعثر عليه في سجلات البلديات، ولا يلتقطه المصورون.
ذلك الشيء الذي أسميه: روح المدينة التي ولدت فيها، وفتحت عيني على أزقتها…
التي لم أعرفها من خرائطها، ولا من تواريخها، ولا من أسماء أبوابها.
وعرفتها من خلال الذين أحببتهم.
أبي، وأمي، وجدي، وجدتي “مي لالى”والذين كانوا أول عيون رأيت بها الناس.