بقلم: الباحث المغربي بدر شاشا
باحث في دينامية وتدبير البيئة والتنمية المستدامة
يشهد المغرب خلال العقود الأخيرة تحولاً ديموغرافياً واجتماعياً متسارعاً يتمثل في انتقال أعداد متزايدة من سكان القرى والبوادي نحو المدن والمراكز الحضرية، بحثاً عن فرص الشغل والتعليم والخدمات. ويعد هذا التحول أحد أبرز التحديات التي ستؤثر في مستقبل التنمية القروية والقطاع الفلاحي خلال السنوات المقبلة.
ومع استمرار الهجرة القروية، يتزايد الطلب على السكن داخل المدن وضواحيها، الأمر الذي يساهم في توسع العمران وارتفاع أسعار العقارات والإيجار، ويزيد الضغط على البنيات التحتية والخدمات الأساسية. وفي المقابل، تشهد العديد من القرى انخفاضاً في عدد السكان النشطين، خاصة فئة الشباب.
كما يعرف العالم القروي ظاهرة شيخوخة الفلاحين، حيث أصبح جزء مهم من المشتغلين بالقطاع الفلاحي من كبار السن، بينما تتجه الأجيال الجديدة إلى خيارات مهنية مختلفة. فقد تغيرت طموحات الشباب المغربي، وأصبح كثير منهم يفضل العمل في الشركات الصناعية أو قطاع الخدمات أو ممارسة العمل الحر، أو البحث عن مصادر دخل عبر الإنترنت، إضافة إلى الرغبة في السفر والاستقرار بالمدن.
ولا يعني ذلك أن جميع الشباب يعزفون عن الفلاحة، إلا أن هذا التغير في أنماط التفكير والاختيارات المهنية قد يؤدي، إذا استمر، إلى تراجع انتقال الخبرة الفلاحية بين الأجيال، وإلى نقص في اليد العاملة الزراعية في بعض المناطق، وهو ما قد يؤثر على استمرارية بعض الأنشطة الفلاحية التقليدية.
ومن منظور دينامية وتدبير البيئة والتنمية المستدامة، فإن هذه التحولات تفرض اعتماد سياسات جديدة تجعل العالم القروي أكثر جاذبية، من خلال تحديث الفلاحة، وتشجيع المقاولات الفلاحية الشبابية، وإدماج الرقمنة والتكنولوجيا الزراعية، وتحسين ظروف العيش والخدمات داخل القرى، حتى يصبح البقاء في المجال القروي خياراً تنموياً واقتصادياً حقيقياً.
إن مستقبل التنمية بالمغرب يرتبط بقدرته على تحقيق التوازن بين تنمية المدن والمحافظة على حيوية العالم القروي. فاستمرار الهجرة القروية دون سياسات مواكبة قد يرفع الضغط على المدن من جهة، ويؤدي إلى تراجع النشاط الفلاحي في بعض المناطق من جهة أخرى، وهو ما يستدعي رؤية استشرافية تضمن الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية المستدامة للأجيال القادمة.هنا أطرح سؤال هل من استعداد لهذه الأزمة المستقبلية