حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي
في القاموس السياسي المغربي، ظهرت خلال السنوات الأخيرة مفاهيم جديدة لم يتنبأ بها علماء السياسة ولا فقهاء الدستور ولا حتى أصحاب كتب التنمية البشرية، ومن بين تلك المفاهيم، يبرز مفهوم “التبلارجيت”، وهو حالة سياسية ونفسية نادرة تجعل الشخص قادراً على الوقوف في صفين متناقضين في الوقت نفسه دون أن يشعر بأي دوار أو فقدان للتوازن.
والتبلارجيت السياسي ليس مجرد تناقض عادي، بل هو فن راقٍ من فنون التعايش مع الذات ومخالفتها في آن واحد، حيث صاحبه يستطيع أن يندد بارتفاع الأسعار صباحاً، وأن يصوت ضد أي إجراء لتخفيضها مساءً، ثم يخرج ليلاً ليشرح للمواطن أن الأمور أكثر تعقيداً مما يعتقد.
وبما أن المغرب بلد الإبداع، فقد نجحت بعض الأحزاب في تطوير هذا المفهوم إلى مستوى غير مسبوق ، فالحزب الذي يشتكي من المضاربين ويحمّلهم مسؤولية التهاب أسعار المحروقات، هو نفسه الذي يكتشف فجأة داخل البرلمان أن مقترح تسقيف الأسعار لا يستحق التصويت.
وعندما يسأل المواطن البسيط: “إذا كنتم مقتنعين بأن المضاربين سبب الغلاء، فلماذا رفضتم قانوناً يحد من المضاربة؟”، يأتيه الجواب السياسي العبقري:”لأن هذا مجرد مقترح قانون وليس مشروع قانون.”
وكأن المواطن أمام نوعين من الخبز: خبز صالح للأكل إذا جاء من الحكومة، وخبز غير صالح إذا جاء من المعارضة، رغم أن الدقيق والماء والفرن هي نفسها.
كما في منطق التبلارجيت، لا تقاس القوانين بمضمونها بل بهوية من اقترحها ، فإذا اقترحت المعارضة حلاً لمشكلة المحروقات يصبح الحل دعاية انتخابية ، أما إذا جاءت الحكومة بالاقتراح نفسه، فإنه يتحول فجأة إلى إنجاز تاريخي يستحق التصفيق والتهليل وربما إقامة مهرجانا خطابيا احتفاءً به.
والأكثر طرافة أن بعض المسؤولين لم يحاولوا حتى إخفاء الأمر، بل قالوا بصراحة إن الانضباط للأغلبية أهم من مواقف الحزب نفسها. وهنا تبلغ التبلارجيت ذروتها الفكرية: ويصبح الموقف الصحيح هو ما تقرره الأغلبية، حتى لو كان مخالفاً لما كان الحزب يقوله بالأمس أو سيقوله غداً.
إنها مرحلة متقدمة من المرونة السياسية، حيث تتحول المبادئ إلى ملابس موسمية تُرتدى عند الحاجة وتُعلّق في الخزانة عند أول اجتماع للأغلبية.
أما المواطن، المسكين دائماً، فيقف حائراً أمام هذا المشهد. فقد انتخب ممثليه لكي يدافعوا عن مصالحه، فإذا به يكتشف أنهم يدافعون أولاً عن تماسك التحالف الحكومي، وثانياً عن الانضباط الحزبي، وثالثاً عن الحسابات السياسية، وربما إذا بقي مكان شاغر في اللائحة يتم تذكر مصلحة المواطن.
والأطرف من ذلك أن السياسي التبلارجِيتي “….”لا يرى أي تناقض في الأمر ، فهو مقتنع تماماً بأنه كان صادقاً عندما انتقد الغلاء، وصادقاً أيضاً عندما صوت ضد مقترح الحد منه، وصادقاً للمرة الثالثة عندما شرح أن السبب هو احترام الأغلبية. وهكذا يصبح التناقض نفسه دليلاً على الاتساق، ويصبح نقيض الشيء دليلاً على صحته.
لقد كان الفلاسفة يقولون إن اجتماع النقيضين مستحيل. لكن يبدو أنهم لم يطلعوا على السياسة المغربية في السنوات الأخيرة، ولم يتعرفوا بعد على المدرسة الوطنية العليا لفنون التبلارجيت.
وفي النهاية، لا يبقى للمواطن سوى أن يطور بدوره مهارة جديدة: أن يصفق لمن يشتكي من المشكلة، ثم يصفق له مرة أخرى وهو يرفض حلها، ثم يشكره على الشرح الذي يؤكد له أن ما رآه بعينيه لم يكن في الحقيقة ما رآه بعينيه.
وذلك هو التبلارجيت في نسخته السياسية الكاملة: أن تكون مع الشيء وضده، وأن تربح النقاش في الحالتين، وأن يبقى المواطن هو الخاسر الوحيد مهما كانت النتيجة.