شاشا بدر
يمتلك الشباب المغربي طاقات بشرية كبيرة وقدرات هائلة على الإبداع والابتكار والعمل والإنتاج. ويظهر ذلك في نجاح آلاف المغاربة داخل المغرب وخارجه في مجالات الهندسة والطب والتكنولوجيا وريادة الأعمال والبحث العلمي والرياضة والفنون. غير أن جزءا مهما من هذه الطاقات يظل غير مستغل أو مستغل بشكل ضعيف بسبب مجموعة من الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.
فالشباب المغربي لا يعاني من نقص في الطموح بقدر ما يعاني من نقص في الفرص. فعندما يتخرج آلاف الشباب من الجامعات والمعاهد يجدون أنفسهم أمام سوق شغل محدود لا يستطيع استيعاب جميع الخريجين. كما أن ضعف الاستثمار المنتج في بعض الجهات يؤدي إلى قلة فرص العمل وارتفاع البطالة، خصوصا بين حاملي الشهادات العليا.
وتظهر المشكلة بشكل أكبر عندما يشعر الشاب بأن سنوات الدراسة والتكوين لا تؤدي بالضرورة إلى فرصة عمل مستقرة أو إلى إمكانية تحقيق الاستقلال المالي. ومع مرور الوقت يتحول الإحباط إلى فقدان الثقة في المستقبل، وهو ما يؤثر على روح المبادرة والإبداع والابتكار.
كما أن العديد من الشباب يشتكون من صعوبة الحصول على التمويل لإنشاء مشاريعهم الخاصة، ومن التعقيدات الإدارية ومن محدودية المواكبة التقنية والتجارية. ونتيجة لذلك تضيع أفكار ومشاريع كثيرة كان يمكن أن تتحول إلى مقاولات ناجحة توفر مناصب شغل جديدة.
ومن جهة أخرى، فإن التركيز الاقتصادي في عدد محدود من المدن الكبرى يجعل جزءا كبيرا من الشباب في المدن المتوسطة والصغرى والقرى يشعر بأنه بعيد عن فرص التنمية والاستثمار. لذلك تتزايد الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى أو الهجرة الخارجية نحو أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الخليج.
ولا يعني هذا أن روح الشباب المغربي قد اختفت، بل إنها ما تزال موجودة وقوية، لكنها تحتاج إلى بيئة اقتصادية ومؤسساتية تشجعها وتمنحها الفرصة للتعبير عن نفسها. فكلما توفرت فرص الشغل والاستثمار والتكوين والتمويل ارتفعت ثقة الشباب في المستقبل وازدادت مساهمتهم في التنمية.
ومن وجهة نظري، فإن الحل لا يكمن فقط في خلق الوظائف العمومية، بل في بناء اقتصاد منتج قادر على استيعاب مئات الآلاف من الشباب سنويا. ويتطلب ذلك إنشاء مناطق صناعية جديدة في مختلف الجهات، وتطوير الطاقات المتجددة، وتشجيع الاستثمار الصناعي والتكنولوجي، وتسهيل إنشاء المقاولات الناشئة، وربط الجامعات بسوق الشغل، وتحسين التكوين المهني.
كما ينبغي منح الشباب دورا أكبر في اتخاذ القرار المحلي والجهوي، لأن الشباب ليسوا مجرد مستفيدين من التنمية، بل هم شركاء أساسيون في صناعتها. فالدول التي نجحت اقتصاديا خلال العقود الأخيرة لم تنجح بسبب مواردها الطبيعية فقط، بل لأنها استثمرت في الإنسان، وخاصة في الشباب.
إن أكبر خطر لا يكمن في نقص الموارد، بل في ضياع الكفاءات والطاقات البشرية. فكل شاب عاطل عن العمل لفترة طويلة يمثل خسارة للاقتصاد الوطني، وكل كفاءة تهاجر بسبب غياب الفرص تمثل استنزافا لرأس المال البشري الذي أنفقت الدولة والمجتمع سنوات في تكوينه.
لذلك فإن الاستثمار الحقيقي في المغرب خلال العقود القادمة يجب أن يكون استثمارا في الشباب المغربي، عبر التعليم الجيد، والتكوين المرتبط بالاقتصاد، والاستثمار المنتج، والتمويل، والابتكار، والعدالة المجالية بين الجهات. وعندما يشعر الشباب بالثقة والفرصة والإنصاف، فإنهم قادرون على تحويل المغرب إلى قوة اقتصادية وصناعية وعلمية إقليمية، لأن المشكلة ليست في طاقات الشباب المغربي، بل في محدودية الفرص المتاحة أمام جزء كبير منهم.