انقسام داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب: صراع القيادة بين منطق “التصحيح” وهاجس التحكم

الجديد بريس

يشهد الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، أحد أعرق التنظيمات النقابية المرتبطة تاريخيا بحزب حزب الاستقلال، أزمة داخلية عميقة تكشف عن تحولات بنيوية في طبيعة العمل النقابي بالمغرب، حيث لم يعد الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحول إلى صراع مفتوح حول الشرعية، وأساليب التدبير، ومستقبل التنظيم.
شرخ قيادي يعكس أزمة أعمق :
الانقسام الحاصل داخل المكتب التنفيذي، بين تيار “غاضب” يقاطع الاجتماعات ويطالب بإصلاحات هيكلية، وآخر موالٍ للكاتب العام النعم ميارة يدافع عن استمرارية القيادة، يعكس أزمة ثقة حقيقية داخل هرم النقابة.
فالمجموعة الغاضبة، التي تقول إنها تمثل الأغلبية، لم تكتفِ بالتعبير عن رفضها، بل انتقلت إلى خطوات تصعيدية من خلال الإعلان عن “حركة تصحيحية” والدفع نحو عقد دورة استثنائية للمجلس العام.
هذا التحرك يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ يعبر عن رغبة في إعادة توزيع مراكز القوة داخل النقابة، وليس فقط تصحيح اختلالات تدبيرية.
الخلفيات السياسية للصراع :
لا يمكن فصل ما يجري داخل الاتحاد عن السياق السياسي العام، خاصة وأن النقابة تُعد الذراع الاجتماعية لحزب الاستقلال، الذي يعيش بدوره على إيقاع توازنات دقيقة داخل الحكومة وخارجها.
وبالتالي، فإن الصراع داخل UGTM قد يكون انعكاسا لتجاذبات أوسع داخل الحزب، أو محاولة من بعض الأطراف لإعادة تموقعها استعدادا للاستحقاقات المقبلة.
كما أن موقع النعم ميارة، الذي يجمع بين المسؤولية النقابية وموقعه في رئاسة مجلس المستشارين، يضيف بعدا آخر للأزمة، حيث يُطرح سؤال الجمع بين السلطة النقابية والمؤسساتية، ومدى تأثير ذلك على نمط اتخاذ القرار داخل المركزية.
من التدبير المالي إلى سؤال الحكامة:
أحد أبرز عناوين الخلاف يتمثل في ملف التدبير المالي، الذي تحول إلى نقطة توتر رئيسية بين الطرفين.
فالمعارضون يتحدثون عن “تدبير انفرادي” وغياب الشفافية، بينما يرد الموالون باتهام خصومهم بشن “حملة ممنهجة” للتشويش.
هذا التراشق يعكس إشكالية أعمق تتعلق بالحكامة داخل التنظيمات النقابية، التي تجد نفسها اليوم مطالبة بالانتقال من منطق الزعامة التقليدية إلى منطق المؤسسات والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
صراع الشرعيات: المؤسسات أم التعبئة؟
اللافت في هذه الأزمة هو انتقالها من النقاش الداخلي إلى محاولة كسب الشرعية عبر أدوات مختلفة:
التيار الغاضب يراهن على المجلس العام كإطار قانوني للحسم.
التيار الموالي يركز على وحدة الصف ورفض “التشويش”.
هذا التباين يعكس صراعا بين شرعيتين: شرعية مؤسساتية تستند إلى القوانين الداخلية، وشرعية قيادية تستند إلى الاستمرارية والتمثيلية.
كما أن الحديث عن ضغوط لسحب التوقيعات أو التشكيك في مساطر التبليغ يفتح الباب أمام تساؤلات حول مناخ الثقة داخل النقابة، ومدى احترام قواعد العمل الديمقراطي.
تداعيات محتملة على المشهد النقابي :
الأزمة الحالية قد تكون لها انعكاسات تتجاوز UGTM، لتطال التوازنات داخل الحقل النقابي المغربي ككل، خاصة في ظل تراجع أدوار النقابات التقليدية وصعود مطالب اجتماعية جديدة.
فاستمرار هذا الصراع قد يؤدي إلى:
إضعاف موقع النقابة في الحوار الاجتماعي.
تراجع ثقة القواعد في قياداتها.
فتح المجال أمام قوى نقابية منافسة لاستقطاب المنخرطين.
بين الإصلاح والانقسام
في العمق، تبدو الأزمة تعبيرا عن مفترق طرق تعيشه النقابة:
إما الانخراط في إصلاحات عميقة تعيد لها المصداقية، أو الانزلاق نحو انقسام قد يفقدها وزنها التاريخي.
ومع إعلان “الحركة التصحيحية” شروعها في التعبئة، مقابل تمسك القيادة الحالية بخطاب الوحدة، فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مآل هذا الصراع: هل سيتحول إلى فرصة لإعادة البناء، أم إلى بداية تفكك داخلي؟
في النهاية، ما يجري داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب ليس مجرد خلاف تنظيمي، بل هو اختبار حقيقي لقدرة النخب النقابية على تدبير الاختلاف داخل المؤسسات، في زمن أصبحت فيه الشفافية والمساءلة شرطين أساسيين للاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *