من فاس… حين تتحول الثقافة إلى رافعة استراتيجية لتمكين الشباب وصناعة المستقبل

محمد جمال نخيلة 

في لحظة رمزية تعكس التحولات العميقة التي يعرفها الحقل الثقافي بالمغرب، احتضنت العاصمة العلمية فاس انطلاقة البرنامج الوطني لمهرجانات الشباب على صعيد جهة فاس-مكناس، في مبادرة تتجاوز بعدها الاحتفالي لتؤسس لرؤية جديدة قوامها الاستثمار في الطاقات الشابة باعتبارها رافعة أساسية للتنمية الثقافية والاجتماعية.
هذا الحدث، الذي يندرج ضمن تفعيل استراتيجية وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الشباب، لم يكن مجرد إعلان عن سلسلة من التظاهرات، بل شكل لحظة تقييم وإعادة تموقع لدور مؤسسات الشباب، في سياق وطني يتسم بتزايد الحاجة إلى إدماج الشباب في دينامية الإبداع والإنتاج الثقافي.


📊 من التنشيط إلى التأطير تحول في الفلسفة الثقافية :
البرنامج الوطني لمهرجانات الشباب يعكس تحولا نوعيا في التعاطي مع الفعل الثقافي، حيث لم يعد الأمر مقتصرا على أنشطة ظرفية، بل أصبح جزءا من سياسة عمومية تروم:
تأطير الطاقات الشابة وتوجيهها نحو مسارات إبداعية منتجة
خلق فضاءات بديلة للتعبير خارج الأطر التقليدية
ربط الثقافة بالتنمية المحلية والاقتصاد الإبداعي
في هذا السياق، أكد المدير الجهوي، إسماعيل الحمراوي، خلال ندوة صحفية، أن هذه المهرجانات تشكل منصة لاكتشاف المواهب وصقلها، لكنها أيضا آلية لإعادة الاعتبار لمؤسسات الشباب كمجالات حيوية للتنشئة الثقافية.
🎭 تنوع فني يعكس تحولات الذوق الشبابي
اللافت في هذه الدورة هو تنوع مجالات الاشتغال، بما يعكس التحولات التي يعرفها الذوق الثقافي لدى الشباب المغربي، حيث يشمل البرنامج:
المسرح كفضاء للتفكير النقدي والتعبير المجتمعي
الموسيقى باعتبارها لغة كونية للشباب
السينما كأداة للسرد البصري وتوثيق التحولات
الكوريغرافيا كجسد معبر عن الهوية والحركية
الفنون التشكيلية كمرآة للإبداع الفردي
الكتابة كأفق للفكر والإنتاج المعرفي
صناعة المحتوى الرقمي كواجهة جديدة للتأثير الثقافي


هذا التنوع يعكس وعيا متزايدا بضرورة مواكبة التحولات الرقمية والثقافية، خاصة في ظل صعود منصات التواصل الاجتماعي كفضاءات بديلة للإبداع.
🌍 فاس… من الإرث التاريخي إلى الحاضنة الإبداعية
اختيار فاس لاحتضان هذا الحدث ليس اعتباطيا، فالمدينة التي شكلت عبر التاريخ مركزا للعلم والثقافة، تسعى اليوم إلى إعادة تموقعها كحاضنة للإبداع الشبابي، من خلال ربط الماضي بالحاضر، والتراث بالابتكار.
العروض الفنية التي قدمها شباب المؤسسات الشبابية عكست هذا الامتداد، حيث امتزجت الأصالة بالتجديد، في لوحات فنية جسدت دينامية جيل جديد يسعى لفرض حضوره في المشهد الثقافي الوطني.
🔍 رهانات المستقبل: بين الطموح والتحديات .


رغم الزخم الذي يرافق هذا البرنامج، فإن نجاحه يظل رهينا بعدة عوامل:
استمرارية الدعم المؤسساتي والمالي
انخراط الفاعلين المحليين والجمعيات
ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الأقاليم
تحويل هذه المهرجانات إلى منصات للإنتاج وليس فقط العرض
في المحصلة، يشكل البرنامج الوطني لمهرجانات الشباب خطوة متقدمة نحو بناء سياسة ثقافية أكثر شمولية، تراهن على الشباب كفاعل مركزي، لا كمجرد مستهلك للثقافة.
فمن فاس، تنطلق رسالة واضحة: الثقافة لم تعد ترفا، بل أصبحت خيارا استراتيجيا لبناء مغرب الإبداع والابتكار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *