حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
خرجت السيدة حليمة الزومي القيادية في صفوف الإتحاد العام للشغالين بالمغرب ،لتشرح للمغاربة، بلغة الواثق من نفسه، لماذا لم يصوت حزب الاستقلال على مقترح قانون تسقيف أسعار المحروقات. وبعد قراءة التبريرات الأربع، لا يسع القارئ إلا أن يستحضر المثل المغربي الخالد: “جا بلارج يبوس ولدو عوّرو”.
فالحزب، حسب المستشارة المحترمة، حريص على القدرة الشرائية للمواطنين، ويقف ضد الجشع، ويقاوم الأرباح المفرطة، ويضرب على أيدي المحتكرين، ويحارب التضخم، ويعزز المنافسة الشريفة ، لكنه عندما وصل إلى لحظة التصويت الحاسمة، حيث يمكن ترجمة كل هذه الشعارات إلى موقف سياسي واضح، اختار الجلوس في المنطقة الرمادية.
وكأننا أمام طبيب يؤكد للمريض أنه ضد المرض، وضد الألم، وضد المعاناة، لكنه يرفض وصف الدواء بدعوى أن علبة الدواء قد تؤثر على توازنات الصيدلية!
أما الحجة الأولى، فهي من عجائب المنطق السياسي. تقول السيدة الزومي إن الحزب يفرق بين تسقيف هوامش الأرباح وتسقيف الأسعار، جميل جداً، لكن المواطن الذي يملأ خزان سيارته لا يسأل عن فلسفة هوامش الربح، بل يسأل عن الثمن الذي يؤديه عند المضخة ، فحين يحترق جيب المواطن لا تهمه كثيراً الطريقة التي احترق بها.
والأطرف من ذلك أن الحزب يؤكد أنه ضد الأرباح المفرطة، وضد الجشع، وضد الممارسات غير المشروعة، لكنه لا يشرح للمغاربة لماذا ظلت هذه الأرباح المفرطة قائمة سنوات طويلة دون أن يلمسوا أثراً عملياً لهذا “الغضب الاستقلالي” عليها.
أما الحجة الثانية المتعلقة بالمقاصة، فتبدو وكأن المقترح المعروض كان يدعو إلى إعادة الزمن إلى الوراء وإحياء كل سياسات الدعم السابقة دفعة واحدة ، والحال أن النقاش الحقيقي يدور حول حماية المستهلك من الانفلات السعري، لا حول إعادة إنتاج نماذج مضى عليها الزمن.
ثم إن المواطن البسيط قد يتساءل بسذاجة: إذا كانت الدولة قادرة على دعم قطاعات ومشاريع ومقاولات بمليارات الدراهم، فلماذا يصبح الحديث عن حماية القدرة الشرائية فجأة تهديداً للتوازنات المالية؟
وفي النقطة الثالثة تبلغ السخرية ذروتها ، فالحزب يعتبر نفسه مستهدفاً انتخابياً، وكأن المغاربة استيقظوا ذات صباح وقرروا فجأة ظلم حزب الاستقلال ، بينما الحقيقة أن الأحزاب لا تُحاسَب على نواياها المعلنة، بل على مواقفها الملموسة ، وعندما يمتنع حزب مشارك في الحكومة عن دعم إجراء ينتظره المواطن، فمن الطبيعي أن يطرح الرأي العام الأسئلة، لا أن يوزع باقات الورود.
أما الحديث عن “تسقيف هوامش الربح” فهو يشبه وعد شخص غريق بأنه سيحصل على سترة نجاة في المستقبل، بينما المطلوب الآن إنقاذه من الغرق.
وتأتي الحجة الرابعة لتمنح المقال السياسي لمسة كوميدية إضافية، فالحزب يهاجم من حرر أسعار المحروقات بالأمس، ويحمّلهم مسؤولية الوضع الحالي، ثم يشارك اليوم في حكومة لم تُرجع للمواطنين ما فقدوه من حماية، ولم تضع حداً نهائياً لغلاء المحروقات، ثم يطلب من الجميع التصفيق له لأنه اكتشف متأخراً أن التحرير كانت له آثار سلبية.
إنها نسخة سياسية من شخص أشعل النار في المنزل مع شركائه، ثم خرج ليقدم نفسه رئيساً للجنة مكافحة الحرائق.
والخلاصة أن المغاربة لم يكونوا ينتظرون درساً أكاديمياً في هوامش الربح والأسواق الدولية والميزانية العمومية ، بل كانوا ولا زالوا ينتظرون جواباً بسيطاً عن سؤال بسيط:
إذا كان حزب الاستقلال مقتنعاً فعلاً بوجود جشع وأرباح مفرطة واستغلال للمستهلك، فلماذا لم يصوت لصالح إجراء يبعث على الأقل رسالة سياسية واضحة بأنه يقف إلى جانب المواطن؟
لكن يبدو أن الحزب اختار طريقاً آخر: أن يعلن الحرب على الجشع بالكلمات، وأن يهادنه بالأفعال ، وهكذا وجد المواطن نفسه مرة أخرى أمام مشهد سياسي يختصره المثل المغربي البليغ: “جا بلارج يبوس ولدو عوّرو”، جاءوا ليقنعونا أنهم يدافعون عن القدرة الشرائية، فإذا بأول المتضررين من هذا الدفاع هي القدرة الشرائية نفسها.