حين تحضر الدولة… ويغيب المنتخب في جنازة مدينة

حميد طولست ،، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

فور سقوط عمارتَي حيّ المستقبل بفاس، لم تتأخر الدولة.
هرعت بكل ما تملك من رمزية وهيبة:
الوالي حاضر،
والي الأمن حاضر،
الوقاية المدنية حاضرة،
الإجراءات الاحترازية حاضرة،
الشريط الأصفر حاضر،
الكاميرات حاضرة،
والتصريحات الجاهزة أيضًا… حاضرة.
كل شيء كان في مكانه،
إلا شيء واحد…
السلطة المنتخبة.
في مشهد أقرب إلى مسرح العبث، ظلّ المقعد المخصص لممثل المجلس الجماعي فارغًا، يتيمًا، باردًا، كأنه شاهد صامت على فاجعتين:
فاجعة أرواح أُزهقت تحت الركام،
وفاجعة مسؤولين انتُخبوا ليكونوا سندًا، فاختاروا أن يكونوا غيابًا رسميًا.
أما عمدة المدينة المكلومة، السيد عبد السلام البقالي،
فعلى غير عادته في الظهور عند قصّ الأشرطة وافتتاح المناسبات،
اختفى فجأة…
كأن السقوف لم تسقط،
وكأن المدينة لم تلبس السواد،
وكأن الهاتف الذي ظل “يرن دون جواب” مجرد تفصيل تقني لا علاقة له بالمسؤولية.
وهنا يبدأ السؤال الثقيل، السؤال الذي لا يُدفن مع الضحايا:
كيف يغيب العمدة والمنتخبون في لحظة انهيار مدينة؟
أين كانوا وهم أول من يتغنّى بـ“القرب من المواطن”؟
أين مواساتهم للأسر المكلومة؟
أين إشرافهم المباشر على الأزمة؟
أم أن “التدبير” عند بعضهم ينتهي بانتهاء الحملة الانتخابية،
ويبدأ بعدها موسم إغلاق الهواتف عند أول استغاثة؟
لا، لا يمكن تبرير هذا الغياب باعتباره “تأخرًا غير مبرر”،
ولا يمكن تغليفه بخلافات سياسية أو حسابات انتخابية.
إنه ببساطة: شهادة وفاة أخلاقية للمسؤولية.
خذلان موثق بالصورة والصمت والكرسي الفارغ.
لكن العبث لا يتوقف هنا.
لأن الفاجعة، وهي تنفض الغبار عن الركام، أعادت فتح ملف لا يقل خطورة:
من سمح بتشييد طوابق إضافية غير قانونية؟
من غضّ الطرف؟
من وقّع؟
من صمت؟
وكيف حصلت هذه الشقق المخالفة على الماء والكهرباء،
رغم أن القانون لا يعترف إلا بما هو مطابق للرخصة الأصلية؟
أين كانت لجان المراقبة التابعة للمجلس الجماعي؟
وأين كانت أعين السلطة المحلية طوال هذه السنوات؟
أم أن العشوائية صارت نظامًا،
والتجاوز صار عرفًا،
والمخالفة صارت “تُسوّى” حتى تنهار فوق رؤوس أصحابها؟
الفاجعة تقول بوضوح:
لسنا أمام أخطاء فردية،
بل أمام اختلالات تعميرية ممنهجة،
تراخٍ هنا،
تواطؤ هناك،
وصمت طويل انتهى بانهيار عمارتين… وغياب أتى على ما تبقى من الثقة.
أما وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان،
الوصية على هذا الخراب الجميل، فقد آثرت بدورها الغياب، كأن البناء العشوائي ينمو لوحده،
وكأن العمارات ترتفع صدفة،
وكأن الإسمنت لا يحتاج توقيعًا ولا مراقبة.
وفي ذروة هذا المشهد الساخر/المفجع،
تطلّ علينا قمة العشوائية:
عمارة من عدة طوابق تُشيَّد خارج كل الضوابط القانونية بنفس المدينة بباب الرحا، غير بعيدة عن منزل المقدم الذي تقع في نفوذه الإداري، في بلد لا يرى فيه أحد شيئًا…
إلى أن تسقط العمارة.
إن أرواح ضحايا حي المستقبل لا تطلب بيانات تعزية باردة،
ولا صورًا تذكارية، ولا صمتًا رسميًا.
إنها تطلب محاسبة حقيقية، تبدأ من ملفات البناء،
وتمرّ عبر لجان المراقبة، ولا تنتهي إلا عند كل منتخب
أغلق هاتفه وترك مدينته وحيدة
تدفن أبناءها…
وتجلس أمام كرسي فارغ.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *