حين يتحول السياسي إلى خبير أرصاد جوية!

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في الكتب والدروس الأكاديمية، يقولون إن السياسة فن تدبير شؤون الناس واقتراح الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، أما عندنا، فيبدو أن السياسة تطورت إلى تخصص جديد يجمع بين التنبؤات الجوية، وعلم الزلازل، ومطاردة المؤامرات الكونية!
المواطن المغربي يسأل عن الشغل، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، بينما بعض زعمائنا منشغلون بسؤال أكثر إلحاحًا: من سرق السحب؟ ومن يتحكم في الغلاف الجوي؟ وهل الجفاف سببه سوء التدبير أم “الريموت كونترول” الذي يوجد في مكان ما فوق المحيط الأطلسي؟
لقد وصل الأمر بالبعض إلى حد تقديم وعود انتخابية غير مسبوقة: صوّتوا لنا… ينزل المطر! على غرار معجزة أحد رؤساء الحكومة السابقين:”برك على النكاصة يشعل الضو، وحل الروبيني يخرج الما”. بينما اختار آخرون الارتقاء بالنقاش إلى مستوى أكثر “علمية”، فاكتشفوا أن الزلازل والفيضانات ليست ظواهر طبيعية، بل حلقات من مسلسل مؤامرة عالمية لا ينقصه سوى شارة البداية وموسيقى التشويق.
والحقيقة أن الأحزاب التي تعجز عن تقديم الحلول الواقعية لمشاكل المواطنين، تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن بطولات بديلة: مرة في السماء، ومرة في باطن الأرض، ومرة في المختبرات السرية، وهكذا، بدل أن تتنافس في البرامج الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت تتنافس على من يكتشف أولًا سر الطقس وتقلبات المناخ.
أما المغرب، فلا يحتاج إلى “خبراء في الاستمطار الانتخابي” أو “محللين جيولوجيين حزبيين”، بل إلى كفاءات حقيقية ونخب جديدة تؤمن بأن بناء الدول لا يتم بالشعارات ولا بنظريات المؤامرة، وإنما بالكفاءة، والنزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وإلى أن يحدث ذلك، يبقى المواطن المغربي مطالبًا بمتابعة نشرات الأخبار ونشرات الطقس في الوقت نفسه ، فقد يخرج أحد الزعماء في أية لحظة ليعلن أن انخفاض درجات الحرارة سببه مؤامرة انتخابية، وأن الحل الوحيد لإنقاذ المناخ هو التصويت للحزب المناسب!.

الأمر الذي إذا سرنا مع منطق المؤامرة إلى نهايته فسنحتاج فعلاً إلى إعادة كتابة قوانين الجيولوجيا لا السياسة فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *